بريجيب

في أثناء كلامي مع زميل روسي عن أحد الأشياء التي حدثت في الشركة أقول أن هذا حدث لتصحيح خطأ قديم لكنه أخذ الأمور للجانب العكسي بزيادة. ثم أقول له عندكم في الروسية كلمة بريجيب و التي تعني محاولة تقويم العصا المعوجة لليمين فتقوم بعوجها لليسار. أحد الأشياء التي تعملتها من أحمد خالد توفيق رحمه الله رحمة واسعة و تقفز لذهني دوما. يتغير وجهه للحظة عابرة ثم يخبرني أن هذه الكلمة تحمل ما هو أكبر من مجرد هذا المعني. كانت هذه الكلمة تستخدم من قبل البلشيفيين لتبرير العنف المهول الذي صاحب الثورة البلشيفية. أنهار الدم التي سالت في الشوارع تسبب فيها بعض رجال الأمن الذين أفرطوا قليلاً في رد فعلهم. هكذا ببساطة يتم تبرير أي من هذه الفظائع السوفيتية، هذه ليست مشكلة نظام فكري و أيديولوجي، بل مجرد مبالغة في رد الفعل من الثوار لا أكثر.

أعاني حالياً من إهتمام متزايد بالإتحاد السوفيتي السابق.

بدأ هذا بمسلسل تشيرنوبل ساحق النجاح، ثم كتاب (زمن مستعمل) لسفيتلانا ألكسيفيتش. لو كنت لم تقرأ مقالي عن الكتاب، و المنشور علي هذه المدونة، فهو كتاب ينقل إنهيار الإتحاد السوفيتي و تاريخه من خلال الكلام مع رجل الشارع: شيوعيين متحمسيين، رأسماليين متحمسين، أناس لا يعرفون ما يجب أن يؤمنوا به، الخ. كل أنواع الطبقات الإجتماعية: رجال كريملين، أطباء، فلاحين بسطاء، الخ. المؤلفة حائزة علي نوبل في الأدب و الكتاب من أهم أعمالها.

توقفت في نصف الكتاب لعدة شهور لأني لم أعد أحتمل. كم مهول من المعاناة و البؤس الجماعي لقري و مدن بأكملها بجرة قلم من مسئول في الحزب. أناس قضوا أعمارهم ظلماً في معتقلات ستالين بجانب شيوعيين متحمسين مصدومين و مكتئبين ولا يعرفون كيف يعيشون في هذا العالم الجديد الذي إنهار فيه كل ما كانوا يؤمنوا به، و ما يضاعف من التأثر بالكتاب أن هذا كلامهم أنفسهم، ليس حكاوي ولا نقل أخبار، بالتفاصيل الدقيقة التي إما تثير الرعب أو الغضب.

إستمعت لحلقات مذاعة للمخرج الذي أخرج مسلسل تشيرنوبيل. من ضمن ما قاله أنه قضي 5 سنين في البحث وراء التفاصيل، و أنه كان يتمني وقتها لو كان كتاب آدم هيجينبوثام (منتصف الليل في تشيرنوبل) قد صدر وقتها. هو كتاب حديث و هو من أدق الكتب التي حللت الواقعة من كل جوانبها و تعامل الدولة و المجتمع الدولي معها علي مدي سنين. بالطبع إشتريت الكتاب.

الكتاب مليء بالتفاصيل. الهيكل الإداري للإتحاد السوفيتي و علاقته بالمفاعلات عموماً و مفاعل تشيرنوبل تحديداً، الوزارات المختلفة للجان الحزب الشيوعي، هيئات الأبحاث العلمية، الخ. هناك رسوم هندسية للمفاعل و طوابقه المتعددة و موقع كل جزء من المفاعل عبر المبني، الخ. تاريخ كل الأشخاص الضالعين في الإنفجار و الذين توفوا مباشرة بسبب الإشعاع المباشر سواء أثناء الإنفجار أو أثناء إطفاء الحرائق، الخ. ربما لو كان فقط شرح بعض التفاصيل التقنية في تصميم المفاعلات النووية لكان الكتاب بدون ثغرة، لكني تعلمت الكثير عن التصميمات المخلتفة للمفاعلات النووية في أثناء بحثي علي الإنترنت لفهم هذه النقطة التقنية أو تلك في الكتاب. حفظ الله الإنترنت.

الموضوع مرعب أكثر بكثير من المسلسل.

أحد التعليقات شديدة الأهمية لمخرج المسلسل علي ما حدث هو أن الإنفجار لو كان وقع في أمريكا مثلاً لكانت كارثة أكبر لأن أحداً لن يضحي بحياته لإنقاذ العالم أو الدولة. السوفيت عموماً عندهم قيمة علياً للدولة و الجماعة بالتالي كان هناك من ضحوا بحياتهم لإنقاذ العالم و إغلاق المفاعل، بينما الغرب عالم فردي يبحث كل شخص فيه عن مصحلته الشخصية. في الحقيقة الأمور ليست وردية تماماً، ليس لهذه الدرجة.

مشكلتي عموماً مع النموذج السوفيتي أنه يضحي بحياة الفرد ولا يبالي بها و أحياناً حتي الجماعة. عندما تسمع تعليق المخرج و تشاهد المسلسل فإن أول ما يقفز لذهنك هنا هو الجنود الذين قاموا بالتخلص من حطام المفاعل بأيديهم لأن الروبوتات تعطلت بسبب كم الإشعاع المهول. الأمر أكبر بكثير من هذا المستوي. هناك قري بأكملها، مئات الألاف من الأشخاص، تم ترحيلهم من مكانهم للأبد و هدم قراهم و دفنها تحت الأرض. علي الرغم من أن المفاعل كان في أوكرانيا إلا أن الرياح حملت التلوث لبيلاروسيا لتنال منه نصيب الأسد. المثير للسخرية أن بيلاروسيا ليس بها ولا مفاعل نووي واحد! لتأخذ فكرة عن الحجم، فالنازيين بكل ما إشتهروا به من توحش و تدمير علي الجبهة السوفيتية تسببوا في دمار 619 قرية في بيلاروسيا. تشيرنوبل تسبب في إخلاء 485 قرية و ترحيل أهلها منها للأبد، 70 منهم تم هدمها و دفنها تحت الأرض، دفن القري بأكملها تحت الأرض. من الذي قام بهذا؟ بالظبط، تخمينك سليم. الشعب السوفيتي المتمثل في مئات الآلاف من الجنود كل منهم يعمل حتي ينال الحد الأقصي من الإشعاع المسموح بأخذه سنوياً ثم يتم إعادته لوحدته. طبعاً هو يأخذ هذا الحد السنوي في يومين (أحياناً في دقائق في بعض الأماكن) و بالطبع هناك تجاوزات أصلاً في القياس. بهذا الشكل لا يمكن للجيش السوفيتي كله علي ضخامته أن يقوم بهذا العمل، بالتالي تم إستدعاء الإحتياطي طبعاً و مختلف أنواع الأفراد من كل المؤسسات التي يمكن أن تشارك في هذا، كل يأخذ نصيبه من الإشعاع. طبعاً كثير من هؤلاء أصيبوا بالسرطان و مختلف الأمراض لاحقاً.

بالطبع كل هذا ليس بسبب حبهم للدولة و المجتمع، كثير من هذا بسبب أن الدولة و نسبة محترمة من المجتمع لا تبالي بالفرد أصلاً. طبعاً ربما يخطر ببالك أن هذا ينطبق علي الصغار فقط، لكن الأمر يطول الكل. من ضمن المشاهد المرعبة المتعلقة بتشيرنوبل أن الرياح حملت التلوث لكييف عاصمة أوكرانيا. المشكلة أن الإنفجار وقع يوم 26 أبريل، و 9 مايو هو يوم النصر، العيد القومي حيث المسيرات الحاشدة في الميادين الرئيسية في كل المدن السوفيتية. رئيس الحزب الشيوعي في أوكرانيا طلب إلغاء الإحتفال هذا العام لأن مكان الإحتفال أشبه بوادي صغير، ليس مفتوحاً كالميدان الأحمر في موسكو. سيكون هذا إقامة للإحتفال في حوض من الإشعاع. تذكر أن رئيس الحزب يفوق الرئيس نفسه، بمعني أن مسئول الطاقة في الحزب يفوق وزير الطاقة في السلطة و النفوذ في محطات توليد الكهرباء، رئيس الحزب في أوكرانيا يفوق أي موظف حكومي مهما علا في أوكرانيا، الخ. بالتالي نحن نتكلم هنا عن أقوي شخص في أوكرانيا. لكن التعليمات جائت من جورباتشوف واضحة: إن لم تحضر الإحتفال بنفسك أنت و أسرتك سلم كارنيه الحزب في اليوم التالي.
بالتالي حضر رئيس الحزب الشيوعي بنفسه مع أولاده و أحفاده و هو يعلم أنهم جميعاً يستحمون في حوض من الإشعاع.

المثير للتأمل أنه في أحد شهادات كتاب (زمن مستعمل) تحكي شيوعية متحمسة عن نزولها الميدان الأحمر بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي لتجد أن كارنيه عضوية الحزب الشيوعي الذي كان فقدانه لأي شخص قل أو علي كان كارثة و عقاب ما بعده عقاب كفيل بقتل تقدمه الوظيفي و الحياتي، وجدت هذه الكارنيهات تباع للسياح علي الرصيف في موسكو في الميدان الأحمر. ذهبت ذاهلة لرجل شرطة تخبره عن هذا فقال لا أستطيع منعهم من بيع أي شيء ليس مخدرات أو أعمال إباحية (بورن) فردت (أليس هذا مشهد إباحي). لم تكن تسخر بل كانت منهارة. أصيبت هذه المرأة بإكتئاب تسبب في عدم تركها السرير لثمان شهور حتي أنها إحتاجت إعادة تأهيل فيما بعد لتستطيع المشي.

أثناء سفري ذات مرة مؤخراً شاهدت علي الطائرة فلم وثائقي عن جورباتشوف، يرسمه بصورة شديدة الإيجابية و يحكي عن كونه إصلاحي الخ. أنا لا أصدق بالطبع أن الأمور بهذه الوردية لأن هذا رجل صعد من قلب المؤسسة الشيوعية المريضة، حاز ثقة كبارها علي مدي سنين، بالطبع يحمل الكثير من الكوارث، الشيوعية. هذا الموقف أكد وجهة نظري. حتي ليونيد ليجاسوف العالم صاحب الدور البارز في إحتواء الكارثة والذي رسمه المسلسل علي أنه إصلاحي حاول إصلاح المنظومة و فشل فإن من أسباب فشله أن زملاؤه أنفسهم رفضوا ما جاء به لأنه كان طول عمره شيوعي متحمس و عضو بارز في الحزب. هو إبن هذه المنظومة التي أخرجت هذه الكارثة، و قد قام بدور مهم في تبيض صورة الإتحاد السوفيتي أمام المجتمع الدولي و أخفي أشياء يعرفها، ليس بضغط مباشر بل جانب مهم في أفعاله كان أنه بشكل أو بآخر إبن هذه المنظومة الفكرية التي أنتجت هذه الكارثة.

بالطبع كان لابد من إكمال هذه الصورة بكتاب سفيتلانا أليسكيفتش عن تشيرنوبل. هو كتاب شبه بكتاب زمن مستمعل، حيث تكلم الأشخاص العاديين الذي شهدوا الكارثة، و هو أشهر أعمالها قاطبة. مرة أخري المزيد من التفاصيل الشخصية التي لم يستطع المسلسل نقلها كلها، مثل سيارة الشرطة التي كانت تحمل جثمان أحد رجال الإطفاء و أهله، و التي ظلت لساعات كاملة تدور في دوائر حول موسكو من الخارج في إنتظار أن يترك الصحفيين المقبرة التي من المخطط دفنه فيها، متجاوزين كالعادة عن حالة زوجته و إنهيارها. المهم الدولة و صورة الدولة. كثير من التفاصيل التي تجعل المعاناة شخصياً و تجعل تأثري بها أكثر بكثير من المسلسل.

الأمر مستمر حتي اليوم. في عالم ما بعد الإتحاد السوفيتي مازال شرق أوروبا محكوم بديكتاتوريات. يعيش اليوم 1 من كل خمس بيلاروس علي أرض ملوثة: 2 مليون شخص منهم 700 الف طفل. 23% من مساحة الدولة ملوثة. التلوث الإشعاعي هو سبب رئيسي في عدم زيادة سكان بيلاروسيا. في بعض المدن يزيد عدد الوفيات عن المواليد ب 20%. لكن النظم الديكتاتورية التي تحكم بيلاروسيا ترفض الإعتراف بهذا. أي عالم يحاول أن ينشر أي بحث عن التلوث في البلد أو عن تأثيره علي الصادرات الزراعية التي تخرجها للعالم يتم سجنه لعشرات السنين. لا بأس في التضحية بخمس السكان.

عولمة الكوارث

عندما يتكلم أحدهم عن العولمة فإنه يتكلم عن السلع و الأفكار التي تنتقل بدون حواجز بسبب تطور التكنولوجيا و الإتصالات و النقل. لا أحد يتكلم عن عولمة الكوارث، عن أن الكوارث تقع في مكان ما فتصل آثارها السلبية أقصي العالم.

العالم عرف بكارثة تشيرنوبل برغم التعتيم السوفيتي بسبب أن السويديين إكتشفوا التلوث الأشعاعي علي أرضهم، حمتله الرياح مئات الأميال من أوكرانيا للسويد. العالم كله و ليست أوكرانيا هو من يدفع حتي اليوم ثمن الوعاء الخرساني العملاق الذي يحتوي المفاعل و كل عمليات التحديث المطلوبة له، و التي تتكلف ملايين كما لك أن تتوقع.

اليوم نتكلم عن فيروس كورونا. الصورة العامة أن سببها هو عادات الصينيين الغذائية التي يلتهموا فيها أي شيء و كل شيء. هذا ليس السبب المباشر، المشكلة في أنهم يخلطون الحيوانات سوياً في أسواقهم و حظائرهم. هناك قواعد عامة للتعامل مع الحيوانات لكن لا يتم تطبيقها بصرامة لأن في نهاية اليوم يتم محاسبة كل مسئول محلي (رئيس حي، رئيس مدينة، محافظ، الخ) علي النمو الإقتصادي في منطقته فقط. بالطبع قواعد الأمن و السلامة و الصحة مكلفة و تحد من النمو الإقتصادي (لو كنت قصير النظر تنظر للمكسب اللحظي)، بالتالي يتم التجاوز عنها. مع كل كارثة سابقة شبيهة تقوم الحكومة بإحكام تطبيق هذه القواعد ثم ترتخي الأمور تدريجياً لأن المقياس الأساسي للتقييم هو النمو الإقتصادي فقط.

و بالمثل لا يبالي الصينيين بعزل مدينة كاملة بمئات الآلاف إن لم يكن الملايين من الناس فيها. نفس النموذج الفكري المريع. لكن هذا لا يطول الصينين فقط. هو يطول العالم كله. نفس التكنولوجيا و وسائل السفر و النقل و الشحن التي تنقل السلع تنقل المرض معها للعالم كله. لكن بينما العالم إستطاع تنظيم العولمة من خلال إتفاقيات و معاهدات و خطوط نقل و هيئات دولية للمعايير، الخ، فإنه لا يوجد نموذج واضح يمنع دولة ما من إرتكاب ما من شأنه أن يصيب العالم كله بكارثة.



رد واحد على “بريجيب”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.