عن المنع و الإختيار

في الماضي قال لي أحد أصدقائي أنه ينوي أن لا يشتري جهاز تليفزيون حين يرزقه الله بأولاد. سألته إن كان سيمنع الكمبيوتر من البيت أيضاً فقال لا. تسائلت عن الجدوي. السبب التقليدي لمنع الأطفال من مشاهدة التليفزيون هو تجنيبهم المشاهد و الأفكار الخارجة لكن الكمبيوتر يسمح بأكثر مما يسمح به التليفزيون بكثير. لم يكن صديقي يهدف لتجنيب أبناؤه المشاهد الخارجة بل تجنيبهم أن يكونوا مجرد متلقيين. التليفزيون تفتحه و تشاهد ما يلقي إليك لكن علي الكمبيوتر أنت تبحث بنفسك عن شيء ما لتقرأوه أو تشاهده.

عموماً هذه التحليل تحليل قديم للغاية، لكنه قيل في الفارق بين التليفزيون و الكتاب. أنت تبحث بنفسك عن كتاب معين، تنزل للمكتبات، تتصفح الأغلفة و تختار، أو تتناقش مع أصدقاؤك فيخبرونك عن هذا الكتاب أو ذاك، الخ. أنت شخص فاعل في عملية القراءة، بينما في التليفزيون أنت متلقي تأخذ ما يلقي إليك.

ربما كان هذا في الماضي، لكن في الحاضر الأمر إختلف كثيراً.

أكمل قراءة…

عن ترامب و شركات التكنولوجيا و ما إلي ذلك

هناك كلمة ألمانية ساحقة الشهرة هي blitzkrieg و التي تعني الحرب الخاطفة، و هي أسلوب هتلر في الحرب. بدلاً من الأسلوب التقليدي القائم علي أن تهاجم لتفوز بنقطة أو مدينة، ثم تتقدم خطوط أمداداتك و سلاح المهندسين ليمهد الطرق إلي النقطة التي أخذتها و تنشيء التحصينات و نقاط الإرتكاز و مراكز تخزين الإمدادات ثم تتحرك إلي النقطة التي تليها و هكذا، فإن النازيين كانوا يتحركون بسرعة جنونية بأقصي ما لديهم من قدرة عسكرية و ينهوا المعركة في أيام قليلة. لن ننتظر أي أحد أو أي شيء، سنتحرك حركة لا يتوقعها أحدهم مثل تحرك روميل بالدبابات وسط الغابات ليدور من حول خط ماجينو، سنضرب بكل طاقتنا مرة واحدة دون أن نحافظ علي أي شيء لما بعد أو للجولة التالية لأنه لن توجد جولة تالية. بالطبع هذه الروح القتالية نجم عنها مخالفات أوامر كثيرة فيما يتعلق ب (سيطر علي هذه النقطة ثم إنتظر كذا)، الضباط كانوا يسيطروا علي النقطة ثم ينتقلوا لما يلوها و يتجاهلوا تعليمات الإنتظار لأن الطابع العام للأمور ليس فيه إنتظار لأي شيء من أي نوع. بالطبع هناك تضحيات جسيمة و مخاطرة كبيرة هنا لكن لا أحد يبالي.

أكمل قراءة…

فرنسا و المقاطعة و هذه الأشياء التي تعرفها

غالباً أنت تعرف أن هناك حملة من فرنسا تنادي بحرية السخريةمن الدين و الرموز الدينية و تحديداً الرسول عليه الصلاة و السلام في مقابل حملة من قطع الرقاب يقوم بها بعض المسلمين في فرنسا لمن تطوله يدهم و في المنتصف هناك حملة من المقاطعة للمنتجات الفرنسية. هذه بعض الخواطر المرسلة التي أثارتها كل هذه الأحداث.

أكمل قراءة…

تشيرنوبل و الاحتباس الحراري و أشياء أخري مماثلة

هولندا من أكثر دول الاتحاد الأوروبي تأخراً فيما يتعلق بخطط الحد من انبعاث ثاني أكسيد الكربون. الدولة تعتمد علي الغاز الطبيعي في التدفئة و علي وقود كربوني لتوليد الكهرباء. المفاعلات النووية قليلة للغاية و هناك مناقشات لإغلاق الموجود بالفعل. موضوع المفاعلات هذا تقليد لألمانيا التي تعتمد بالمثل علي الكربون لتوليد الكهرباء، بالتالي منطقي أن ثمانية من أكثر عشر منشآت أوروبية إنتاجاً لثاني أكسيد الكربون هي محطات توليد كهرباء ألمانية. عموماً هولندا تعتبر امتداد لألمانيا حيث يقلدونها في أشياء كثيرة و الطاقة من ضمنها.
لا يمكن الاعتماد بالكامل علي الطاقة المتجددة لانها لا يمكن تخزينها. لا يمكنك تخزين الكهرباء التي تولدت بالشمس للمساء ولا يمكنك تخزين الكهرباء التي تولدت بالرياح لوقت تقل فيه الرياح أو تنعدم. هناك مشكلة أكثر صعوبة: الدولة مدت أنابيب غاز طبيعي للبيوت لاستخدامها في التدفئة علي مر السنين، بالتالي البنية التحتية لشبكة الكهرباء غير مصممة لأن يتحول استهلاك البيوت من الطاقة بأكمله للكهرباء. أسعار الطاقة في هولندا خيالية مقارنة بباقي أوروبا كما لك أن تتوقع.

بالطبع الدول الملتزمة بجداول تقليل انبعاث ثاني أكسيد الكربون لديها مفاعلات نووية و الطاقة عموماً فيها أرخص. الكثير من الخبراء يتكلمون عن خطط إغلاق المفاعلات النووية القليلة في هولندا بأسلوب (إبقي قابلني) و يرون أنه لا سبيل إلا بالتوسع في انشاء المفاعلات النووية و ليس إغلاقها.

بالطبع السبب في رفض إنشاء المفاعلات النووية في هولندا و ألمانيا هو خطورة الإنفجارات و التسربات النووية. تشيرنوبل حاضر في أي حوار عن المفاعلات النووية بالقطع. الحوار عادة ما يكون عن أن تشيرنوبل يمكن أن يتكرر بينما يقول الآخرون أن الاحتباس الحراري حدث بالفعل بينما يمكن تجنب حدوث انفجار في مفاعل نووي بسهولة. إيطاليا فعلت شيء مشابه بأن أغلقت مفاعلاتها النووية لكنها تشتري كهرباء بتكلفة أعلي بكثير من دول مجاورة تم توليدها بمفاعلات نووية حتي أنها صارت أكبر مستورد للكهرباء في أوروبا و هو ما عبر عنه البعض بأنه شيء إيجابي للبشرية لأن الإيطاليين لا يمكن الثقة بهم في تشغيل مفاعل نووي – في إشارة للفساد و عدم الإلتزام و ما شابه. جدير بالذكر أن أكبر مصدر للكهرباء في أوروبا هي فرنسا، و هي من أكثر دول اوروبا استخداماً للمفاعلات النووية لتوليد الكهرباء.

في هذا المقال أحاول أن أنظر لما حدث في تشيرنوبل من اطار علمي بعض الشيء و أحاول أن أشرح كيف يمكن أن يضمن المرء أن لا يحدث تشيرنوبل آخر. الأخطاء لابد أن تحدث، بسبب إهمال أو خطأ بشري، بالتالي كيف يمكن أن يتكلم أحدهم بثقة عن أن لا يحدث إنفجار في مفاعل نووي؟

أكمل قراءة…

عن اليمين و اليسار و سقوط الأيديولوجيات و سفسطات أخري مماثلة

منذ عدة سنوات نظمت الشركة لنا تدريباً علي إجراء مقابلات العمل (إنترفيو). المدرب كان شخص من شركة متخصصة في هذا الموضوع. كان مدير للتوظيف في أمازون في أوائل أيامها ثم إستقال و كون شركته الخاصة و صار يقدم تدريب و إستشارات في الموضوع للشركات العملاقة مثل ياهو و مايكروسوفت.

من ضمن عوامل الشخصية التي شرح كيف نقيمها في شخص متقدم للعمل كانت مرونة تفكيره. ليست المشكلة في أن تكون فكرة خاطئة لكن إن قدمت لك أدلة كثيرة علي خطأ هذه الفكرة فإن عليك أن تغيرها. وقتها كانت ذروة الإنتخابات الرئاسية الأمريكية و التقدم الغير متوقع لترامب. وقتها قال إن مشكلة أنصار ترامب ليست في أنهم يتبعون الشخص الخطأ لكن في أنهم مصرين علي أن يتبعوه مع كل موقف و كل تصريح، هؤلاء أشخاص لا يستطيعون تغيير رأيهم. الموضوع كان غريب لأن الأمر به تحيز سياسي واضح. في تدريب يتعلم فيه المرء ألا يسأل المتقدم للعمل حتي عن كليته خوفاً من أن تكون ذات طابع ديني و بالتالي حين يتم رفضه يتم مقاضاة الشركة بتهمة التفرقة بناء علي الدين و تتعلم فيه أن لا تسأل المتقدم حتي علي سبيل كسر الجليد في بداية الكلام عن أي شيء له علاقة بحياته الأسرية من نوعية (كيف حال الأسرة) خوفاً من أن يتهمك فيما بعد بالتفرقة ضده لأنه متزوج و أنت لست متزوجاً أو لأنه غير متزوج و أنت متزوج، في تدريب كهذا كان من الغريب أن ينتقد الرجل إتجاه سياسي أمريكي يمثل ما يقرب من نصف الشعب في تدريب يجلس فيه بالفعل عدد محترم من الأمريكيين. لا أعرف إن كان واثق أن أحباب ترامب لا يصلون عادة لمناصب محترمة علمياً أم ماذا، لكن هذا هو ما حدث.

أكمل قراءة…

زمن مستعمل – عن الأفكار و المشاعر

أنا أكره الأدب النسائي.

حين سئُل نجيب محفوظ لماذا لا يكتب مقالات رد قائلاً “شاء الله أن يجعلني من ذوي المشاعر لا من ذوي الافكار”. هذا رد ذكي و هو السبب (أو واحد من الأسباب) الذي يفسر العكس بالنسبة لي: أنا لا أكتب روايات ذات قيمة لأني من ذوي الافكار لا من ذوي المشاعر. هذه نقطة فصل لطيفة بين الكتاب و الرواية.

لكن علي الرغم من هذا أشعر أن الأدب النسائي يفتقر للأفكار. هناك الكثير من المشاعر التي تتركني تائهاً أبحث عن خيط من المنطق، إطار أو هيكل من الأفكار الذي يسمح لي بالتعامل مع كل هذه الكلام الذي يملاً الصفحات، ولا أجد. حتي لو كان الفارق بالتعريف أعلاه أن الرواية هي شيء يمتليء بالمشاعر و ليس به أفكار لكن هناك حد أدني من الأفكار التي أحتاج لوجودها لأستطيع التعامل مع العمل الأدبي، و هو حد أدني لا أجده في الأدب النسائي عادة. بالتالي هناك الكثير من الأسماء العربية و الأجنبية الشهيرة في الأدب النسائي التي فشلت في أن أكمل قراءة كتاب لها حتي نهايته، مثل رضوي عاشور و إزابيل الليندي. مهما حاولت فالمحاولة فاشلة عادة.

أكمل قراءة…

خواطر حول مناظرة جيجك و بيترسون

منذ شهور كثر الكلام عن المناظرة المرتقبة بين جوردان بيترسون و سلافوي جيجك عن مفهوم السعادة ما بين الرأسمالية و الماركسية، و هي المناظرة التي تمت في جامعة تورنتو يوم 19 أبريل و التي اجتمع الكل علي تسميتها مناظرة القرن. الكل يرتقب الحدث الضخم قبلها بشهور كمن ينتظر لقاء بين فريقي كرة قدم من العيار الثقيل مع الكثير من الشد و الجذب بين أنصار هذا و ذاك تماماً كما لو كنا نتكلم عن مشجعي برشلونة و ريال مدريد قبل لقاء الطرفين في نهائي دوري أبطال أوروبا. المقالات تتكاثر هنا و هناك عن ما يمكن أن نتوقعه من هذا اللقاء و من سيسحق من. ثمن التذكرة لحضور اللقاء وصل 1500 دولار أمريكي. حتي لقاء برشلونة و ريال مدريد لا تصل تذاكره لهذا الثمن علي قدر علمي.

لمن لا يعرف فجوردان بيترسون طبيب نفسي و أستاذ علم نفس، و هو من المدرسة الليبرالية الرأسمالية و له مرجعية مسيحية واضحة. جيجك أستاذ فلسفة ماركسي ملحد – هو أكثر درجات الإلحاد التي قابلتها سوداويةو عدمية و عمقاً في نفس الوقت – و يمزج الماركسية بالتحليل النفسي في أفكاره.

القاء المرتقب تم و هذه هي مجرد خواطر عن بعض ما جاء في اللقاء. هذا ليس ملخص وافي و أنا لست أفضل من يشرح أفكار الطرفين لأن معرفتي بالفلسفة و علم النفس عموماً معرفة سطحية و كثير من أفكار جيجك علي وجه الخصوص لا أُلم بها بشكل كامل. يقول أحمد خالد توفيق علي لسان رفعت إسماعيل بعد أن حكي حكاية ما أنه سيقدم تعليقاً يتظاهر بالحكمة يفسد علي القاريء أي لذة وجدها في القصة. بالمثل فأنا سأقدم تعليقاً علي بعض ما جاء في المناظرة ليس له أي داعي من الأساس سوي أن لدي بعض الأفكار التي أرغب في طرحها في مكان ما ولا أعرف مكاناً أفضل من هذه المدونة.

أكمل قراءة…