تشيرنوبل و الاحتباس الحراري و أشياء أخري مماثلة

هولندا من أكثر دول الاتحاد الأوروبي تأخراً فيما يتعلق بخطط الحد من انبعاث ثاني أكسيد الكربون. الدولة تعتمد علي الغاز الطبيعي في التدفئة و علي وقود كربوني لتوليد الكهرباء. المفاعلات النووية قليلة للغاية و هناك مناقشات لإغلاق الموجود بالفعل. موضوع المفاعلات هذا تقليد لألمانيا التي تعتمد بالمثل علي الكربون لتوليد الكهرباء، بالتالي منطقي أن ثمانية من أكثر عشر منشآت أوروبية إنتاجاً لثاني أكسيد الكربون هي محطات توليد كهرباء ألمانية. عموماً هولندا تعتبر امتداد لألمانيا حيث يقلدونها في أشياء كثيرة و الطاقة من ضمنها.
لا يمكن الاعتماد بالكامل علي الطاقة المتجددة لانها لا يمكن تخزينها. لا يمكنك تخزين الكهرباء التي تولدت بالشمس للمساء ولا يمكنك تخزين الكهرباء التي تولدت بالرياح لوقت تقل فيه الرياح أو تنعدم. هناك مشكلة أكثر صعوبة: الدولة مدت أنابيب غاز طبيعي للبيوت لاستخدامها في التدفئة علي مر السنين، بالتالي البنية التحتية لشبكة الكهرباء غير مصممة لأن يتحول استهلاك البيوت من الطاقة بأكمله للكهرباء. أسعار الطاقة في هولندا خيالية مقارنة بباقي أوروبا كما لك أن تتوقع.

بالطبع الدول الملتزمة بجداول تقليل انبعاث ثاني أكسيد الكربون لديها مفاعلات نووية و الطاقة عموماً فيها أرخص. الكثير من الخبراء يتكلمون عن خطط إغلاق المفاعلات النووية القليلة في هولندا بأسلوب (إبقي قابلني) و يرون أنه لا سبيل إلا بالتوسع في انشاء المفاعلات النووية و ليس إغلاقها.

بالطبع السبب في رفض إنشاء المفاعلات النووية في هولندا و ألمانيا هو خطورة الإنفجارات و التسربات النووية. تشيرنوبل حاضر في أي حوار عن المفاعلات النووية بالقطع. الحوار عادة ما يكون عن أن تشيرنوبل يمكن أن يتكرر بينما يقول الآخرون أن الاحتباس الحراري حدث بالفعل بينما يمكن تجنب حدوث انفجار في مفاعل نووي بسهولة. إيطاليا فعلت شيء مشابه بأن أغلقت مفاعلاتها النووية لكنها تشتري كهرباء بتكلفة أعلي بكثير من دول مجاورة تم توليدها بمفاعلات نووية حتي أنها صارت أكبر مستورد للكهرباء في أوروبا و هو ما عبر عنه البعض بأنه شيء إيجابي للبشرية لأن الإيطاليين لا يمكن الثقة بهم في تشغيل مفاعل نووي – في إشارة للفساد و عدم الإلتزام و ما شابه. جدير بالذكر أن أكبر مصدر للكهرباء في أوروبا هي فرنسا، و هي من أكثر دول اوروبا استخداماً للمفاعلات النووية لتوليد الكهرباء.

في هذا المقال أحاول أن أنظر لما حدث في تشيرنوبل من اطار علمي بعض الشيء و أحاول أن أشرح كيف يمكن أن يضمن المرء أن لا يحدث تشيرنوبل آخر. الأخطاء لابد أن تحدث، بسبب إهمال أو خطأ بشري، بالتالي كيف يمكن أن يتكلم أحدهم بثقة عن أن لا يحدث إنفجار في مفاعل نووي؟

أكمل قراءة…

عن اليمين و اليسار و سقوط الأيديولوجيات و سفسطات أخري مماثلة

منذ عدة سنوات نظمت الشركة لنا تدريباً علي إجراء مقابلات العمل (إنترفيو). المدرب كان شخص من شركة متخصصة في هذا الموضوع. كان مدير للتوظيف في أمازون في أوائل أيامها ثم إستقال و كون شركته الخاصة و صار يقدم تدريب و إستشارات في الموضوع للشركات العملاقة مثل ياهو و مايكروسوفت.

من ضمن عوامل الشخصية التي شرح كيف نقيمها في شخص متقدم للعمل كانت مرونة تفكيره. ليست المشكلة في أن تكون فكرة خاطئة لكن إن قدمت لك أدلة كثيرة علي خطأ هذه الفكرة فإن عليك أن تغيرها. وقتها كانت ذروة الإنتخابات الرئاسية الأمريكية و التقدم الغير متوقع لترامب. وقتها قال إن مشكلة أنصار ترامب ليست في أنهم يتبعون الشخص الخطأ لكن في أنهم مصرين علي أن يتبعوه مع كل موقف و كل تصريح، هؤلاء أشخاص لا يستطيعون تغيير رأيهم. الموضوع كان غريب لأن الأمر به تحيز سياسي واضح. في تدريب يتعلم فيه المرء ألا يسأل المتقدم للعمل حتي عن كليته خوفاً من أن تكون ذات طابع ديني و بالتالي حين يتم رفضه يتم مقاضاة الشركة بتهمة التفرقة بناء علي الدين و تتعلم فيه أن لا تسأل المتقدم حتي علي سبيل كسر الجليد في بداية الكلام عن أي شيء له علاقة بحياته الأسرية من نوعية (كيف حال الأسرة) خوفاً من أن يتهمك فيما بعد بالتفرقة ضده لأنه متزوج و أنت لست متزوجاً أو لأنه غير متزوج و أنت متزوج، في تدريب كهذا كان من الغريب أن ينتقد الرجل إتجاه سياسي أمريكي يمثل ما يقرب من نصف الشعب في تدريب يجلس فيه بالفعل عدد محترم من الأمريكيين. لا أعرف إن كان واثق أن أحباب ترامب لا يصلون عادة لمناصب محترمة علمياً أم ماذا، لكن هذا هو ما حدث.

أكمل قراءة…

زمن مستعمل – عن الأفكار و المشاعر

أنا أكره الأدب النسائي.

حين سئُل نجيب محفوظ لماذا لا يكتب مقالات رد قائلاً “شاء الله أن يجعلني من ذوي المشاعر لا من ذوي الافكار”. هذا رد ذكي و هو السبب (أو واحد من الأسباب) الذي يفسر العكس بالنسبة لي: أنا لا أكتب روايات ذات قيمة لأني من ذوي الافكار لا من ذوي المشاعر. هذه نقطة فصل لطيفة بين الكتاب و الرواية.

لكن علي الرغم من هذا أشعر أن الأدب النسائي يفتقر للأفكار. هناك الكثير من المشاعر التي تتركني تائهاً أبحث عن خيط من المنطق، إطار أو هيكل من الأفكار الذي يسمح لي بالتعامل مع كل هذه الكلام الذي يملاً الصفحات، ولا أجد. حتي لو كان الفارق بالتعريف أعلاه أن الرواية هي شيء يمتليء بالمشاعر و ليس به أفكار لكن هناك حد أدني من الأفكار التي أحتاج لوجودها لأستطيع التعامل مع العمل الأدبي، و هو حد أدني لا أجده في الأدب النسائي عادة. بالتالي هناك الكثير من الأسماء العربية و الأجنبية الشهيرة في الأدب النسائي التي فشلت في أن أكمل قراءة كتاب لها حتي نهايته، مثل رضوي عاشور و إزابيل الليندي. مهما حاولت فالمحاولة فاشلة عادة.

أكمل قراءة…

خواطر حول مناظرة جيجك و بيترسون

منذ شهور كثر الكلام عن المناظرة المرتقبة بين جوردان بيترسون و سلافوي جيجك عن مفهوم السعادة ما بين الرأسمالية و الماركسية، و هي المناظرة التي تمت في جامعة تورنتو يوم 19 أبريل و التي اجتمع الكل علي تسميتها مناظرة القرن. الكل يرتقب الحدث الضخم قبلها بشهور كمن ينتظر لقاء بين فريقي كرة قدم من العيار الثقيل مع الكثير من الشد و الجذب بين أنصار هذا و ذاك تماماً كما لو كنا نتكلم عن مشجعي برشلونة و ريال مدريد قبل لقاء الطرفين في نهائي دوري أبطال أوروبا. المقالات تتكاثر هنا و هناك عن ما يمكن أن نتوقعه من هذا اللقاء و من سيسحق من. ثمن التذكرة لحضور اللقاء وصل 1500 دولار أمريكي. حتي لقاء برشلونة و ريال مدريد لا تصل تذاكره لهذا الثمن علي قدر علمي.

لمن لا يعرف فجوردان بيترسون طبيب نفسي و أستاذ علم نفس، و هو من المدرسة الليبرالية الرأسمالية و له مرجعية مسيحية واضحة. جيجك أستاذ فلسفة ماركسي ملحد – هو أكثر درجات الإلحاد التي قابلتها سوداويةو عدمية و عمقاً في نفس الوقت – و يمزج الماركسية بالتحليل النفسي في أفكاره.

القاء المرتقب تم و هذه هي مجرد خواطر عن بعض ما جاء في اللقاء. هذا ليس ملخص وافي و أنا لست أفضل من يشرح أفكار الطرفين لأن معرفتي بالفلسفة و علم النفس عموماً معرفة سطحية و كثير من أفكار جيجك علي وجه الخصوص لا أُلم بها بشكل كامل. يقول أحمد خالد توفيق علي لسان رفعت إسماعيل بعد أن حكي حكاية ما أنه سيقدم تعليقاً يتظاهر بالحكمة يفسد علي القاريء أي لذة وجدها في القصة. بالمثل فأنا سأقدم تعليقاً علي بعض ما جاء في المناظرة ليس له أي داعي من الأساس سوي أن لدي بعض الأفكار التي أرغب في طرحها في مكان ما ولا أعرف مكاناً أفضل من هذه المدونة.

أكمل قراءة…

عن الأطفال

التفكير في لماذا خلقنا الله علي هذه الصورة أو تلك تفكير مألوف، مثل لماذا خلق الله الناس يمشون ولا يطيرون، لماذا خلق فيهم القدرة علي التدمير من الأساس، لماذا خلقهم بإحتياجات نفسية مثل الإحتياج للقبول و الإحتياج لتحقيق إنجازات و الرغبة التنافسية، الخ.

التفكير في هذه الأمور لا يؤدي لإجابة محددة شافية، لكن في نفس الوقت التفكير في هذه الأسئلة مهم لنا كبشر، بشكل ما هي تحدد جزء من بشريتنا و نضجنا النفسي. من لا يفكر في هذه الأشياء من فترة لأخري هو شخص منتقص الإنسانية بشكل ما.

كثير من الناس تساؤلوا عن لماذا خلق الإنسان بفترة الطفولة الطويلة هذه. مقارنة بالحيوانات الأخري فالإنسان يظل بحاجة للكبار لمرحلة عمرية كبيرة للغاية قبل أن يكون قادراً علي الإستقلال و خوض الحياة لوحده، و إحتياجه للكبار هو إحتياج نفسي و تربوي، و إحتياج لتعلم مهارات حياتية معقدة، و ليس فقط لعجزه الجسدي عن إطعام نفسه طوال هذه الفترة الطويلة. الكثير فكروا في هذا السؤال و حاولوا الإجابة عليه من زاوية الفائدة التي تعود علي الطفل، قليل هم من فكروا من منطلق الفائدة التي تعود علي الأبوين.

كما قلت، التفكير في هذه الأمور عموماً لا يؤدي لإجابة محددة مفيدة و أنا لست إستثناءاً لهذا فما سأكتبه هنا هو مجرد تفريغ لخواطر تدور في ذهني أكثر منها كتابة لرأي محدد قاطع أو حتي لفكرة أرغب في مناقشتها، أو حتي لأفكار مترابطة، هي مجرد أفكار متناثرة. قليلون من يدركوا أن الكتابة مهمة للكاتب لأسباب أكثر بكثير من أخذ شهرة أو الرغبة في مناقشة أفكاره مع آخرين أو الترويج لها و نشرها. الكتابة تساعدك علي تفريغ أفكارك الملحة و الأهم تنظيم هذه الأفكار. نيوتن كان يلقي محاضرات رياضيات في جامعة كامبريدج و كان يلقيها حتي إن دخل غرفة الدرس و لم يجد أي طلاب. إلقاء المحاضرة حتي للفراغ مهم لتنظيم الأفكار بغض النظر عن إستفادة الطلبة. بالتالي ما أكتبه هنا هو محاضرتي الخاصة التي لا تهدف لإفادة الطلبة في المقام الأول. أكمل قراءة…

هانيبال

عرفت هانيبال القائد القرطاجي من كتاب صغير لأحمد خالد توفيق. و بعد أن قرأت كتاباً كبيراً لواحد من أشهر المؤرخين الحاليين في الموضوع، مؤرخ من الذين يستدلون بعدة مصادر قديمة و يجيد المقارنة بين المصادر و الرواة و يذهب بنفسه لمواقع الأحداث التي تمت من أكثر من الفي سنة، فإن النقاط الأساسية للموضوع هي التي أحسن أحمد خالد توفيق إختيارها في كتابه الصغير. هذه مجرد خواطر و أفكار عن الموضوع و أنا مدين كالعادة لأحمد خالد توفيق بمعرفته كما أنا مدين له بأشياء أخري كثيرة.

هانيبال قائد عسكري من قرطاجة (في تونس اليوم). أبوه كان قائد عسكري أيضاً، قاتل الرومان في ما يعرف بالحرب البيونية الأولي. بيونية هي كلمة تعني النسبة لقرطاجة. في البداية هزم القرطاجيون الرومان، ثم إستغل السياسيون الأمر فإسترخوا، قللوا التجهيزات و الإستعدادات العسكرية. أبو هانيبال يصرخ أن الرومان قادمون لكن السياسين المعاتيه لا يسمعون له. في النهاية كانت الهزيمة. مشكلة الهزيمة أنها لم تتوقف عند معاهدة إستسلام. كل بضعة أعوام يرسل الرومان وفداً يطلب المزيد من المال و المزيد من التنازلات عن مزيد من الأرض و إلا فالوعيد بالويل و الثبور. من هنا كره الرجل روما بعمق، بالنسبة له كان الرومان رمز لكل شيء سيء، الخيانة و الغدر و إستغلال القوة و عدم الوفاء بالعهود. ترك الرجل قرطاجة ذاهباً إلي مستعمرات قرطاجة في أسبانيا، بعيداً عن نفوذ السياسيين المعاتيه، و بدأ في تكوين نواة مادية و عسكرية لجيش ينتقم من الرومان. هنا يبدأ دور إبنه، هانيبال. الرجل ربي إبنه علي كره الرومان كراهية شبه دينية. في إحتفال ديني مهيب في معبد ضخم و تواجد للكهنة و تضحيات بحيوانات يقسم الطفل الصغير علي كره روما و الإنتقام منها، و هو الهدف الذي يعيش به و من أجله باقي عمره، و هو ما شكل الحرب البيونية الثانية. أكمل قراءة…

مجرد مقال آخر عن التطور و الدين و العلم

مازلت أتذكر الصدمة التي تعرضت لها حين درست قانون نيوتن للجاذبية. قبلها بسنين كنت أسمع عن أن (نيوتن إكتشف الجاذبية) و كنت أعلم أني سأدرس هذا القانون في الصف الدراسي الفلاني -الأول الثانوي لكني لست متأكداً – و كنت في إنتظار هذه اللحظة منذ سنين. السبب في الصدمة هو أني كنت أتوقع أن أجد قانوناً يفسر الجاذبية، لماذا تنجذب الأجسام لبعضها البعض و لماذا يسقط الناس علي الأرض بعد أن يقفزوا في الهواء، لكني فوجئت بمجرد معادلة تحسب فقط مقدار قوة الجاذبية. بشكل ما ظللت أتوقع أنه سيأتي اليوم الذي أدرس فيه تفسيراً لهذا الشيء، ليس من المنطقي أن تكون ظاهرة بهذا القدر من الوضوح و التأثير و لا يتكلم أحدهم عن تفسيرها، لكن مع الوقت و السن و الإنترنت إكتشفت أن هذه الظاهرة ليس لها تفسير حتي اليوم. كان هذا مذهلاً و الأكثر إثارة للذهول أن أحداً لا يتعرض لهذه الحقيقة بما يكفي و يكتفون بالتهليل لمجرد معادلة تحسب مقدار هذه الجاذبية. أكمل قراءة…