خواطر حول مناظرة جيجك و بيترسون

منذ شهور كثر الكلام عن المناظرة المرتقبة بين جوردان بيترسون و سلافوي جيجك عن مفهوم السعادة ما بين الرأسمالية و الماركسية، و هي المناظرة التي تمت في جامعة تورنتو يوم 19 أبريل و التي اجتمع الكل علي تسميتها مناظرة القرن. الكل يرتقب الحدث الضخم قبلها بشهور كمن ينتظر لقاء بين فريقي كرة قدم من العيار الثقيل مع الكثير من الشد و الجذب بين أنصار هذا و ذاك تماماً كما لو كنا نتكلم عن مشجعي برشلونة و ريال مدريد قبل لقاء الطرفين في نهائي دوري أبطال أوروبا. المقالات تتكاثر هنا و هناك عن ما يمكن أن نتوقعه من هذا اللقاء و من سيسحق من. ثمن التذكرة لحضور اللقاء وصل 1500 دولار أمريكي. حتي لقاء برشلونة و ريال مدريد لا تصل تذاكره لهذا الثمن علي قدر علمي.

لمن لا يعرف فجوردان بيترسون طبيب نفسي و أستاذ علم نفس، و هو من المدرسة الليبرالية الرأسمالية و له مرجعية مسيحية واضحة. جيجك أستاذ فلسفة ماركسي ملحد – هو أكثر درجات الإلحاد التي قابلتها سوداويةو عدمية و عمقاً في نفس الوقت – و يمزج الماركسية بالتحليل النفسي في أفكاره.

القاء المرتقب تم و هذه هي مجرد خواطر عن بعض ما جاء في اللقاء. هذا ليس ملخص وافي و أنا لست أفضل من يشرح أفكار الطرفين لأن معرفتي بالفلسفة و علم النفس عموماً معرفة سطحية و كثير من أفكار جيجك علي وجه الخصوص لا أُلم بها بشكل كامل. يقول أحمد خالد توفيق علي لسان رفعت إسماعيل بعد أن حكي حكاية ما أنه سيقدم تعليقاً يتظاهر بالحكمة يفسد علي القاريء أي لذة وجدها في القصة. بالمثل فأنا سأقدم تعليقاً علي بعض ما جاء في المناظرة ليس له أي داعي من الأساس سوي أن لدي بعض الأفكار التي أرغب في طرحها في مكان ما ولا أعرف مكاناً أفضل من هذه المدونة.

قبل أن نبدأ المقال نبدأ بما لابد منه. أنا متحيز عموماً لجيجك من قبل مشاهدة هذه المناظرة. قرأت لبيترسون كتاب واحد لم أستطع حتي إكماله لنهايته بينما قرأت لجيجك الكثير من الكتب و شاهدت له الكثير من اللقاءات و الأفلام الوثائقية. عموماً رأيي أن جيجك أكثر عمقاً من بيترسون بأميال، بيترسون هو مدرب من مدربي التنمية البشرية الذين يملئون العالم مع فارق أنه أكثر عمقاً، هو مدرب تنمية بشرية بذل مجهوداً في ما يقول بدلاً من مدربي التنمية البشرية الذين لم يبذل أي منهم أكثر من 10 ساعات في قراءة و فهم ما يدعو له و هم الأغلبية. لكني أجد صعوبة في وصفه بأنه فيلسوف أصلاً. جيجك صعب الفهم، أفكاره راديكالية حتي بالنسبة لكل اليساريين و الماركسيين الآخرين (يوصف عادة بأنه فيلسوف خطر)، حتي إلحاده عميق و يلقي بالكثير من العمق علي إيمان المؤمنين، يفتح أبواباً للتفكير في الدين عموماً لم يفتحها الملحدين الآخرين و لم يفتحها كثير من المؤمنين في رأيي. بشكل ما هذا إلحاد يؤدي أحياناً لدرجة أعمق من الإيمان لكن شرح هذا يستلزم مقالاً آخر و ربما شخص أقدر مني علي شرح هذه النقطة.
بالتالي أتمني أن يضع القاريء تحيزاتي أمام عينه و هو يقرأ هذا المقال.

ما الذي يمكن أن يتوقعه المرء أصلاً من مناظرة – أي مناظرة؟

في علم الإعلام هناك عبارة شهيرة أن الوسط هو الرسالة The medium is the message. و هي تعني أن كل وسط أو وسيلة لنقل الأفكار يفرض نوع معين من الرسائل علي المتلقي. أنت لا تستطيع أن تناقش فكرة فلسفية بإستخدام رسائل الدخان التي كان يستخدمها الهنود الحمر مثلاً، بل آخر ما يمكنك أن تنقله أفكار بسيطة مثل (القبيلة تتعرض لهجوم). بالمثل أنت لا تستطيع أن تنقل أفكاراً عميقة في خطبة تكلم فيها الناس لفترة محددة، ساعة مثلاً، بينما يمكنك بمنتهي السهولة أن تنقل أفكاراً عميقة في كتاب. قاريء الكتاب يختار وقتاً مناسباً، يجلس هادئاً ليقرأ ما كتبه الكاتب، يمكنه أن يتوقف و يستكمل القراءة غداَ، يمكنه أن يعيد قراءة الأجزاء الصعبة عشر مرات و يبحث عن ترجمة و تفسير و شرح ثم يستكمل القراءة، الخ. في المقابل الخطبة يمكنها تحريك المشاعر. النازيين لم يتحركوا خلف هتلر بسبب قراءة كتابه بل بسبب خطبه النارية. في الخطبة يمكنك أن تلهب مشاعر الناس بلهجة صوتك و حركة ذراعيك و تعبيرات وجهك و كلها أشياء يفتقر لها الكتاب.

ما نوع الرسالة التي يمكن نقلها من خلال مناظرة؟ المناظرة بالتعريف هي لقاء بين شخصين مختلفين فكرياً أمام جمهور، يعرض كل منهم أفكاره و يهاجم أفكار الآخر، يتكلمون لساعات قليلة. بالتالي جانب التنافس واضح، هناك طابع عام من الحاجة لسحق الطرف الآخر خاصة أمام الجمهور. المساحة المتاحة لعرض الأفكار محدودة بالتالي أي أفكار عميقة سيتم تجاوزها أو تلخيصها.

الفكرة ليست جديدة. في أثناء مناظرة بين أبراهام لينكولن و منافسه علي منصب الرئاسة قبل الإنتخابات الرئاسية – التي فاز فيها لينكولن في النهاية – قدم لينكولن حجة هزمت حجة منافسه فهلل الجمهور و صفقوا فقاطعهم لينكولن مطالباً إياهم أن يعملوا عقلهم لا مشاعرهم. لاحظ أنه كان الطرف المنتصر هنا. لاحظ أيضاً أن هذه الواقعة كانت في القرن التاسع عشر. كانت تلك أياماً مجيدة. لا يمكن أن تسمع اليوم كلمة مثل هذه من سياسي أمريكي مهما كان ثورياً راديكالياً. لابد من الكثير من التهليل و الصفير في السياسة، هذا من الأساسيات كما تعلم.

بالتالي كما هو متوقع فلقاء جيجك و بيترسون كان لقاء مليء بالكثير من التنافس و رغبة مشجعي كل منهما في أن يسحق فيلسوفه المفضل الطرف الآخر. في أثناء اللقاء القي جيجك حجة ما جلبت الكثير من الصفير و التهليل فقاطع الناس مطاباً إياهم أن لا ينجرفوا للجانب التنافسي و أن يركزوا في الحوار نفسه بشكل عقلاني، وبالرغم من أن جيجك و بيترسون إكتشفوا سوياً الكثير من نقاط الاتفاق و علي الرغم من أن الحوار كان يشوبه الكثير من الإحترام المتبادل بينهما إلا أن الفكرة الرئيسية في كثير من تحليلات اللقاء بعد إنتهاؤه كانت أن (جيجك سحق بيترسون) و وصل الأمر بالبعض للقول بأن (جيجك اغتصب بيترسون). أنت إستخدمت وسيلة نقل أفكار تحض و تدفع للتنافس بالتالي لا تتوقع أن يخرج الناس و نفوسهم مليئة فقط بالحكمة الصوفية المتجردة المحبة للحق. يمكن لهذه أن تأتي من قراءة كتب هذا و ذاك و ليس من خلال حضور مناظرة.

أحد الأفكار الخاطئة المنتشرة عن البشر أنهم منطقيين، أنهم تفوقوا علي الحيوانات بسبب أن عندهم عقل و منطق و تفكير. البشر لا يحسنون إستخدام عقلهم عموماً. حتي حين يستخدم الإنسان المنطق فإنه يستخدمه في معظم الأحوال ليس لتسيير شئونه الشخصية بل لهزيمة شخص آخر ببيان أن منطقه مغلوط. البشر نجحوا و تفوقوا بسبب قدراتهم الإجتماعية، قدرتهم علي تكوين مجتمعات و جماعات و علاقات معقدة و تقسيم العمل بين الأفراد و تنظيم هذا العمل، الخ. ما يحتاجه المرء لينتمي لجماعة ينافي بالتعريف العقل و المنطق و التفكير و الصواب و الخطأ و هذه الأشياء اللطيفة، يجب أن تشابه الآخرين، لا يجب أن تنتقد سلوكهم – و هو ما لابد منه إن أعملت عقلك – و لا يجب أن يشعروا حتي أن لديك أفكار مختلفة – حتي إن لم تتعارض مع أفكارهم – لأن الناس تتوجس من الشخص المختلف عموماً .
الأمر لا يقف هنا. الإحتياج النفسي لأن تكون جزءاً من الجماعة و أن لا تكون غريباً يجُب أي تفكير منطقي، إسأل عن هذا أي مراهق يفعل الكثير من السخافات فقط لأن المراهقين الآخرين يفعلونها. دائماً ما تقفز لذهني الآية الكريمة “قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا”. أنت لا تستطيع أن تتفكر وسط مجموع، لابد أن تخرج عن المجموع حتي تستطيع أن تتفكر. التفكير المنطقي عموماً صعب للغاية، و هذا سبب واحد من أسباب كثيرة لكون التفكير عكس ما جُبل عليه الإنسان، عكس فطرته و طبيعته و ما يحسن فعله بالسليقة.

بالتالي لا تجمع الناس في مكان واحد و تقوم لتناظر منافسك ثم تنتظر منهم العقلانية في التعامل مع ما يسمعون. سيستخدموا منطقيتهم و عقلهم فقط في هزيمة الآخر، في بيان أن منطقه مغلوط و ليس في أن يفكروا فعلياً فيما يسمعون و تأثيره علي حياتهم و حياة الآخرين.

الديمقراطية و المسئولية

أحد المنطلقات الرئيسية لجيجك في هذه المناقشة كانت من منطلق تحليل نفسي، فكرة أن المرء يعيش حياته يتهرب من تبعات الأشياء التي تسعده و ربما كان من مصلحته أن لا يحصل علي ما يتمناه (أو ما يدعي أنه يتمناه). المثال الذي ضربه كان بالدول الشيوعية الشمولية التي كان الناس فيها يلقون بأي شيء حتي سوء الطقس علي من في الحكم، و لهذا في بعض هذه الدول ما أن زالت قبضة الشيوعيين علي الحكم و تمت انتخابات ديمقراطية حتي فاز فيها الشيوعيون و عادوا للحكم ثانية ! لهذا ربما يحتاج الأمر لشخص يدفعك لخارج ما يسعدك، يدفعك لأن تكون لك قضية و مسئولية عن ما تفعل. هذه حياة جيدة أو لها معني لكن ليست بالضرورة حياة سعيدة.
الفكرة مشابهة لما قاله جمال حمدان في كتاب (شخصية مصر) عن أن المصريين يسخرون من الحاكم لكنهم لا يرغبون في تولي المسئولية، فلندع له الحكم و لنسخر منه و من تقصيره و نلقي عليه باللوم في كل صغيرة و كبيرة و لكن لن نتحمل المسئولية.

لكن فكرة أن الديمقراطية تساوي شعور بالمسئولية هي فكرة نظرية أكثر من اللازم في رأيي.

في أثناء حكم الإخوان و بينما كانوا يتغزلون مع كل ما له علاقة بالجيش و الشرطة و أي شخص يحمل أي قدر من النحاس علي كتفيه، إعتدت و أصدقائي أن نقول أن الإخوان و مؤيديهم و (اللي مش إخوان بس بيحترموهم) لن يتعلموا بالحوار ولا من التاريخ و لا من تنظيرات السياسية ولا من أي شيء، سيتعلموا في الوقت الضائع حين ينهار كل شيء علي رؤوسهم. لكن بعد أن إنهار كل شيء و وجدنا من ما لا يزال يسبح بحمد محمد مرسي و يصلي لمكتب الإرشاد، و حتي في أعتي الأحوال فإن من إنقلب فإنه فقط يري أن (الإخوة اللي فوق) أخطأوا بينما هو لم يخطيء حين أعطي لحمقي واضحي الحماقة شيكاً علي بياض علي مدي أكثر من عام و عبر عشرات المواقف التي لم تكن كافية لتغيير رأيه، عندها إكتشفت أن رأيي السودواي بأنهم لن يتعلموا إلا حين ينهار كل شيء كان شديد التفاؤل. حتي هذا غير موجود. لا يوجد أدني شعور بالمسئولية بل فقط بالمظلومية. كل فرد صغر أو كبر غير مسئول، هو فقط ضحية.

في الأساطير الإغريقية كان أحد الآلهة معجب بكاسندرا لكنها رفضت الزواج منه بالتالي عاقبها بعقوبة مثيرة للتأمل. القي عليها لعنة تجعلها تري المستقبل لكن أحداً لن يصدقها. بالتالي هي تصرخ في الناس أن هناك كارثة قادمة، حريق، هجوم من أعداء، أي شيء لكن أحداً لا يصدقها مهما ثبت صدق تنبؤاتها مرة بعد الأخري و ستعيش لتري كل الكوارث التي حذرت منها تحدث أمام عينيها واحدة تلو الأخري. هذه عقوبة شنيعة و بها الكثير من العمق في فهم النفس البشرية. لكن كنوع من التطور الفكري فإننا بحاجة لأسطورة تضم عقوبة أن تري الناس حتي لا تتعظ من أخطائها الشخصية بعد أن تقع الكارثة التي حُذروا منها. سيكون هذا نوع من التقدم و التطور في صياغة الأساطير.

موضوع تخلي الناس عن مسؤليتها تجاه قراراتهم السياسية ليس في مصر فقط. المتابع للبريكزيت سيلاحظ أن هناك إنتقاد عام للساسة الإنجليز من كل الناس: الصحف، ساسة الإتحاد الأوروبي، المعلقين علي الفيسبوك و حتي من يرسمون الرسومات الساخرة. هذا عظيم لكن ماذا عن رجل الشارع؟ ماذا عن الشخص الذي صوت علي خروج لا يعرف أحد أصلاً تبعاته ولا حتي اقترب من تحديد تبعاته بشكل كامل حتي اليوم؟

تبدأ الديمقراطية بالشك في من يسعي للسلطة، سواء في منصب كبير أو صغير، تبدأ بإفتراض أنه غير كفء أو غير أمين أو كلاهما. من هنا تأتي المناصب و المؤسسات و الدساتير و القوانين و القواعد التي تهدف للموازنة بين السلطات و الهيئات التشريعية و القضائية و التنفيذية، الخ. علي الرغم من أن هذه تبدو بديهية إلا أنها ليست بديهية للكثيرين. أنظر مثلاً للمهللين للساسة الأمريكيين أيا ما كان توجههم، ترامب كان أو حتي بيرني ساندرز. مجرد التهليل لسياسي و الهتاف و الحماس له هو شيء ضد الديمقراطية أصلاً، مهما كان هذا السياسي رائعاً. الديمقراطية تبدأ بالشك في السياسي، ظننت هذا واضحاً إلا أنه ليس واضح بما ينبغي فيما يبدو. الأمريكي يعرف مواد الدستور بالرقم، المادة التي تسمح له بحمل السلاح و المادة التي تحافظ علي حقوقه أمام رجل الشرطة، الخ، و لكنه يتناسي الحقيقة البديهية البسيطة التي قامت عليها الديمقراطية أن السياسيين لا يمكن الثقة بهم.

منذ بضع سنوات و في أثناء موجة اللاجئين السوريين التي كانت تجتاح أوروبا كنت أساعد اللاجئين الذين يصلون هولندا مع مجموعة من المتطوعين. تعرفت علي فتاة هولندية والدها مصري. أثناء كلامنا كان أحد تعليقاتها علي مصر التي كانت تزورها بإنتظام سنوياً أن كل الناس هناك يؤيدون السيسي أو مرسي بعنف. عندها سألتها ألا يؤيد الهولنديين سياسيين فردت بأنهم يؤيديون سياسيين لكنهم يؤيدوهم (نص نص). هي تقصد أن أيا ما كان السياسي الذي يختاره الناس إلا أن الحماس له عادة ما يكون محدوداً، لا توجد عقلية (فلان الفلاني يا بلاش…. هو و غيره مينفعناش) التي كانت سائدة في مصر و التي تسود في أمريكا، و اليوم نراها في البريكزيت حيث يلوم المفكرين و الصحفيين و ساسة الإتحاد الأوروبي الساسة الإنجليز علي المأزق الحالي و كأنهم فوجئوا بالحقيقة البديهية أن الساسة نصابين و حمقي معاً و تعامي الكل عن لوم رجل الشارع الإنجليزي الذي صوت علي قرار معتوه كهذا بهذا الشكل السطحي، بعد عشرات السنين من التيارات الوجودية التي سادت أوروبا، حيث المرء مسئول عن قراراته و مصيره، عدنا مئات السنين للوراء و صرنا نشكو من السياسيين (الوحشين).

بالتالي رأي جيجك في أن الديمقراطية تجلب معها شعوراً بالمسئولية هو رأي تنظيري، أو ربما هو رأي سليم في المجتمعات التي لا يؤيد فيها الناس السياسيين بحماس ولا ينساقوا ورائهم بغباء لكن بالتأكيد لا يمكن إعتبارها قاعدة.

عن الحاجة لعدو

في إطار حديثه عن هرب الناس من مسئوليتها الشخصية تكلم جيجك عن أن هتلر كان بحاجة لليهود. الرواية التي يقدمها هتلر هي أن الجنس الآري جنس عظيم و رائع. لكن مثلهم مثل أي مجتمع في الحياة فالألمان لديهم مشاكل. هنا تظهر الحاجة لأن يكون هناك غريب بيننا، عدو مسئول عن كل مشاكل ألمانيا الإقتصادية و العسكرية و السياسية.

لمايكل جاكسون فيلم قصير صدر عام 1997 إسمه أشباح Ghosts. في هذا الفيلم نري مجموعة من الناس يسيرون في الظلام تحت المطر و الرعد بينما يحملون المشاعل، المشهد المهيب المتكرر في كل الأفلام، متجهين لقصر مهجور. يتقدمهم رجل في الخمسينات تقريباً، ممتليء كلاسيكي يرتدي بدلة و ربطة عنق تعطيه منظر نمطي لكن بدون أناقة. يدخلوا القصر ليواجهوا شخصاً في الداخل.
المشكلة أن الشخص الذي يبدو كشاب عادي – يقوم بدوره مايكل جاكسون – هو شخص لطيف وحيد. يكلم الرجل بأدب و هدوء. هو شخص وحيد لا يفعل شيئاً سوي أنه يحكي حكايات عن الأشباح للأطفال و الاطفال يحبون قصصه. لكن الرجل الخمسيني مصر علي طرده، مصر علي وضعه في صورة الغريب الذي يجمع مزيج من السخافة و إثارة الخوف. كلنا أشخاص رائعون لكن أنت الغريب الوحيد في المدينة و سنقوم بطردك، ثم يبدأ في تهديده و محاولة إخافته، علي الرغم من أن باقي المرافقين له ليسوا متحمسين لموضوع طرده وليس لديهم معه مشاكل حقيقية إلا أن الرجل شبه يدفعهم لأن يصاحبوه فيما يفعل.

يبدأ الشاب في إعطاء الرجل الخمسيني ما طلبه بالظبط، يضع نفسه في الإطار الذي رسمه الرجل الخمسيني له، يلعب بعض الحيل السخيفة التي تثير ضحك المرافقين للخمسيني إلا أنه يبدي إشمئزازه منها ثم يبدأ في إرعابه. هنا يبدأ المرح الحقيقي. نكتشف أن الشاب نفسه شبح و يستدعي باقي الأشباح ويقدم فقرة مرعبة للخمسيني، يثبت له أن ما كان يتمناه فعلاً ليس شيئاً جيداً و أنه إن صار سخيفاً و مرعباً كما يرغب و يحتاج الخمسيني لأن يرسمه فإنه سيصير كابوساً. بالطبع الفيلم مليء بالأغاني و الرقصات مادام يضم مايكل جاكسون.

في أغنية (هل الأمر مرعب Is is scary) التي غني مايكل جاكسون جزء منها في الفيلم يقول :
سأكون بالظبط ما تتمني أن تراه
فأنت الذي يطاردني
محذراً من أن أكون الغريب في حياتك
هل يسليك ما أفعله أم يثير حيرتك؟
هل أنا الوحش الذي رسمته في خيالك؟
إن أردت أن تري أشياء غريبة حقاً فسأتجسد أمام عينيك المحدقة كياناً منفراً مرعباً

سأكون بالظبط ما تتمني أن تراه
فهل جئت لتري تخيلاتك تتجسد حقيقة أمام عينيك
مفاجآت مرعبة و حيل سخيفة و أشباح ترقص تحت الأضواء
أم جئت لتري الحقيقة و النقاء
الموجود هنا في قلب وحيد

بالطبع هذه التفاصيل هي نوع من الحكمة بأثر رجعي، ما رأيته في الفيلم و الأغاني بعد أن كبرت. الفكرة غير واضحة بشكل قوي في الفيلم و الأغنية تم تقديمها في الفيلم بشكل جزئي و لكن نزلت كاملة في ألبوم لاحق. الفيلم يركز علي الرقصات و المؤثرات و الخدع. علي سبيل المثال في أحد المشاهد ينزع الشاب – الشبح ملابسه كلها لكنه لا يصير عارياً بل يقف كهيكل عظمي مرعب، ثم تتعالي الموسيقي و يبدأ هذا الهيكل العظمي في الرقص، رقصات مايكل جاكسون الشهيرة الصعبة. أمي كانت تشاهد الفيلم بجواري بنصف عين عندما كنت مراهقاً و علقت علي هذا المشهد بان (هذا الهيكل العظمي دقيق تشريحياً بدرجة مدهشة). تذكر أن هذه كانت 1997 و أسلوب ال motion capture حيث يأتي إنسان حقيقي (مايكل جاكسون هنا) و يتم وضع مجسات علي مختلف أنحاء جسمه ليؤدي حركات يتم نقلها لنموذج كمبيوتر ثلاثي الأبعاد لم يكن مألوفاً وقتها – اليوم هو موضة قديمة. الرجل الخمسيني البدين نفسه كان مايكل جاكسون شخصياً مع مكياج مذهل. في نهاية الفيلم يخصص المخرج جزء كبير لعرض كيف تمت خدع الفيلم و مكياج مايكل جاكسون أثناء وضعه.

بالتالي يمكنك أن تتفهم أني كمراهق لم أر النقاط الأخري في الفيلم و لم أوصل كلمات الأغنية بأحداث الفيلم إلا عندما كبرت، كل ما رأيته في الماضي كان الخدع و الرقصات فقط. أغنية Is is scary لم تكن مفضلة لدي في الماضي كما هي الآن. هذه حكمة بأثر رجعي كما يقول أحمد خالد توفيق. و إستكمالاً للحكمة بأثر رجعي فقد إكتشفت أن ستيفن كينج هو من كتب القصة. الأمر مفهوم و النموذج المتكرر للرواية العميقة التي لا يري المخرج فيها سوي الأشباح التي تقفز أمام الكاميرا صارخة الذي يميز علاقة كينج بالسينما و التليفزيون موجود هنا كالمعتاد.

تذكرت الفيلم عندما تكلم جيجك عن حاجة الناس لعدو يلقون عليه بمشاكلهم كنوع من الهرب من مواجهة مشاكلهم و عيوبهم الشخصية. حتي إن لم يوجد عدو علينا أن نخلقه و نرسم صورته كغريب مرعب، هذا ضروري لتكوين روايتنا عن نفسنا و كلما كثرت المشاكل زادت الحاجة لهذا الغريب. في رأي جيجك فاليوم مشاكل الغرب المتصاعدة بسبب فشل سياسيات الرأسمالية الليبرالية يلقون بها علي اللاجئين، و علي الرغم من أن اللاجئين لديهم الكثير من المشاكل و يسببون الكثير من المشاكل إلا أن مشاكل الغرب الكبري عميقة و بالتأكيد لا يمكن إلقاؤها علي عاتق المهاجرين.

عن الحاجة لرمز

يري جيجك أن البحث عن السعادة يعني بشكل ما التخلي عن المسئوليات، الناس لو تُركت لنفسها فستختار ديكتاتوراً يحكم و يعفيهم من المسئولية النفسية عن تبعات قراراتهم. بالتالي يري جيجك أن الناس تحتاج لقائد يخرجهم من دائرة راحتهم ليقوموا بشيء له معني و قيمة، شيء يكافحوا من أجله بدلاً من السعادة السطحية المتمثلة في مزيد من الإستهلاك و السفر و الطعام الخ.
بالطبع يستدعي هذا أفكاراً و ذكريات من كل النظم الشمولية التي عرفها الإنسان لكن جيجك يفرق بين السلطة النفسية أو الروحية و الكفاءة. مشكلة ستالين كنموذج كلاسيكي للديكاتاتور الذي يدعي إنتماؤه للماركسية أنه خلط بين الإثنين: فهو القائد الذي يحرك الناس و في نفس الوقت هو الحكيم الذي يعرف كيف يدير كل شئون الدولة سياسية و إقتصادية و عسكرية و أي شيء آخره (ية). في رأي جيجك فالناس بحاجة لقائد روحي لكن لابد بشكل واضح أن يقال أنه ليس كفء لإدارة أي شيء.

بشكل ما أشعر أن هذه هي فكرة الملكيات الأوروبية. المناظرة كانت تدور قرب يوم 27 أبريل، يوم الملك في هولندا. يوم الملك هو يوم عيد ميلاد الملك و هو أكبر احتفال يقوم به الهولنديون في السنة، ينزلون الشوارع بالملايين، اللون البرتقالي مسيطر علي كل شيء و أي شيء، تسيل الجعة (البيرة) أنهاراً في الشوارع، يركبون مراكب في قنوات هولندا الشهيرة حتي تصير قنوات أمستردام أشبه بصلاح سالم في ساعة الذروة، الخ. المشكلة أن هذا الملك ليس له سلطة لعمل أي شيء تقريباً. هو شخص يفتتح المؤسسات و تعمل زوجته (الملكة) في حملات التوعية ضد الأمراض مثلاً و نحتفل بعيد ميلاده و ننسب كل شيء في الدولة له (مثل شركة الطيران: الخطوط الجوية الملكية الهولندية) لكن ليس له سلطة لعمل أي شيء، رئيس الوزراء المنتخب هو الحاكم الفعلي.
اللطيف أن الملكةالسابقة، أمه، كان عيد ميلادها في يناير. لا يمكن للهولنديين أن ينزلوا ليحتفلوا في البرد بالتالي عندما تولت الحكم قررت أن تترك يوم الملك في نفس التاريخ السابق الذي كان تاريخ ميلاد والدتها! عندما جاء إبنها للحكم و بما أن يوم ميلاده في الربيع أمكن تغيير يوم الملك لعيد ميلاده. بالتالي أكبر احتفال في هولندا هو إحتفال بيوم عيد ميلاد الملك حتي لو لم يوافق عيد ميلاده الحقيقي!

فكرة الحاجة لرمز للدولة كما تمثلها الملكيات الأوروبية مثيرة للتأمل، و ما قاله جيجك عن حاجة البشر لشخص له سطلة نفسية لكن بدون أن يدعي الكفاءة يصب في نفس الإتجاه في رأيي، و هو شيء مازلت عاجز عن تقبله

خاتمة

فكرة أن السعادة يجب أن يكون نتيجة جانبية لسعي الإنسان لهدف أسمي و أن مجرد البحث عن السعادة كهدف نهائي ينتج عنه كوارث كانت محل إتفاق جيجك و بيترسون. بالطبع هناك إختلاف في نوعية الهدف الأسمي و كيفية العمل له لكن الفكرة الأساسية محل إتفاق. نعمان علي خان في أحد خطبه تكلم عن نفس الفكرة من منظور اسلامي أيضاً بالتالي هي ليست جديدة.

مشكلة جيجك أنه لا يري أي صلة للإنسان بأي قيمة عليا. المتدينين يحاولون الوصول لرضا الله أو يرون أنفسهم معبرين عن مشيئة الله أو وكلاء عنه لو كانوا حمقي، لكن الأمر لا يقف عند المتدينين. الشيوعيين السوفييت كانوا يرون في أنفسهم أشخاص يفهمون الحتمية التاريخية و بالتالي فهم أداة من أدوات التاريخ، و هذا يبرر كل تصرفاتهم مهما كانت قاسية و متوحشة، إنها الحتمية التاريخية التي تفرض هذا. هذا في رأي جيجك هي الكيان الأعلي الذي الصقوا أنفسهم به بديلاً عن الله. في رأي جيجك أنت تعمل بدون أي كيان عالي من أي نوع: لا إله، لا حتمية تاريخية، لا أي شيء، أنت مجرد أحمق وحيد محدود القدرة و العلم و الإدراك. أنا لا أعرف ما هي القيمة أو القضية التي يمكن أن يعمل من أجلها المرء مقطوعاً من أي شيء ذو قيمة عليا حتي لو كان فكرة مثل الحتمية التاريخية. الناس تحتاج للشعور أنها تعمل من أجل أي قيمة عليا من أي نوع. هذا إحتياج نفسي ربما أهم من حاجة الناس لقائد يحركهم خارج منطقة راحتهم البسيطة.

لهذا أقول أن جيجك أكثر سودواية من أي مفكر آخر حتي لو كان ملحداً.

مثل الكثيرين يخلط جيجك بين المتدينين الذين يرون القيمة في رضا الله و التقرب إليه و من يرون أنفهسم معبرين عن إرادة الله مباشرة. هذه بالطبع مناقشة خاسرة لأن الأغلبية من النوع الثاني للأسف، لكن تذكر أن جيجك نفسه له كتاب إسمه (دفاعاً عن قضايا خاسرة In defense of lost causes). في مقدمته يقول جيجك أنه في الماضي كانت هناك عبارة لاتينية تقول (لقد تكلمت روما… حسمت القضية) في إشارة لأن البابا يمكنه أن يحسم أي جدل من أي نوع حتي إن قال شيء غير منطقي يحسم به الجدل، و قد تم اليوم استبدال البابا بصناديق الاقتراع، لقد قالت الجماهير كلمتها و اختارت فلان أو اختارت التيار الفلاني. بناء علي هذا التفكير فكل القضايا الكبري و الأفكار الماركسية العميقة هزمت بانتصار الرأسمالية و هزيمة الشيوعية التي و إن لم تكن ماركسية سليمة في رأي كل الماركسيين تقريباً إلا أنها في الوجدان العالمي دليل علي أن الماركسية (مش نافعة). في هذا الكتاب يقول جيجك أنه سيقدم الحجج علي أفكاره حتي و إن كانت أفكار مهزومة علي أرض الواقع.

ربما لهذا أحب جيجك.

بالمثل فالدين اليوم قضية خاسرة للأسف إلا أنها لم تعدم مدافعين عنها و إن قلوا.

رد واحد على “خواطر حول مناظرة جيجك و بيترسون”

  1. يقول Ibrahim abdelkhalek:

    مقال رائع كالعادة ولكن لماذا تري أن الدين اليوم قضية خاسرة ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.