أسلوب التفكير و ملكة النقد

منذ بضعة أعوام حضرت محاضرة في أمن المعلومات الإلكترونية ألقاها خبير أمن معلومات بولندي و لم تكن لدي أدني فكرة عن أمن المعلومات قبل هذه المحاضرة. كانت هذه أحد أفضل المحاضرات التي حضرتها في حياتي. الرجل لخص تأمين المعلومات في ساعة و نصف. لم يكن أسلوبه هو ذكر المعلومة بل تكوين أسلوب تفكير لدي المستمعين. ما الذي يجب عليك أن تفكر فيه حين يحدثك أحدهم عن تأمين المعلومات؟ ما هي المعايير الهامة التي يجب أن تفكر فيها عند تقييم أساليب التشفير المختلفة؟ متي تطلب عون خبير تأمين معلومات و لماذا؟ ما هي الأخطاء القاتلة المتعلقة بمجال تأمين المعلومات و لماذا هي قاتلة و لماذا يقع فيها الكثير من الناس؟ ما هي الأشياء التي يجب عليك أن لا تفكير في القيام بها (مثلاً لا تفكر في أن تخترع أسلوب تشفير خاص بك). بإختصار المحاضرة ترسم لك أسلوب تفكير و منهج تسير عليه إن أردت أن تتعلم تأمين المعلومات بل و تلقي الضوء علي النقاط المعقدة التي تحتاج خبيراً ليقوم بها. هي لا تخبرك بكل ما يتعلق بالموضوع و لكنها ترسم خريطة ذهنية لكيفية التعامل مع هذا الفرع من العلم.

كانت هذه أول محاضرة أحضرها يركز فيها المحاضر علي تكوين أسلوب تفكير و قد جعلتني فيما بعد أتفهم لماذا تتشابه المناهج بين بعض المؤسسات التعليمية المصرية و تلك الأجنبية و علي الرغم من هذا قد تجد فارقاً ساحقاً في مستوي الطلبة هنا و هناك. منذ ذلك الحين و أنا أحاول حين أقرأ شيئاً أن أبحث عن المعلومة التي ستحدد أسلوب تفكيري و تعاملي مع الأمور و أترك المعلومات التي يمكن الحصول عليها من أي كتاب أو صفحة علي الإنترنت حين الحاجة لها.

والدتي طبيبة نساء و توليد و قد حكت لي أن في إمتحان الماجيستير جاء سؤال يقول (ما هي وسيلة منع الحمل المناسبة لإمرأة مريضة بالسكر). بعد الإمتحان فوجئت والدتي بأن معظم زملاؤها أجابوا إجابات من نوعية : الحبوب، الحقن، الخ. المشكلة أن كلمة (مريضة بالسكر) كلمة تحمل الكثير من الإحتمالات، فالسكر قد يكون وراثياً و قد لا يكون وراثياً، و شدة السكر و مدي إستجابته للعلاج تختلف، و مدي تأثير السكر في جسد المريضة يختلف من مريضة لأخري، و السن عامل يؤخذ في الإعتبار هنا. بالتالي مرض السكر يحتوي الكثير من المتغيرات و بناء علي هذه المتغيرات مجتمعة يحدد الطبيب وسيلة منع الحمل المناسبة و التي تختلف من حالة لأخري. إجابة سؤال كهذا لن تكون كلمة واحدة بل ستتكون من عدة صفحات.

هنا لم يفتقر الطلبة للمعلومات بل إفتقروا لأسلوب تفكير للتعامل مع الحالة. (السكر مرض يحتوي الكثير من المتغيرات التي تحدد وسيلة منع الحمل للمريضة به) هي حقيقة بسيطة للغاية لا تقارن بحجم المعلومات الذي حشره أولئك الطلبة في رؤوسهم قبل الإمتحان إلا أنه يمثل فارقاً جوهرياً في كيفية تعامل الطبيب مع المريض.

ملكة النقد

حاول عدد من علماء الإجتماع و علماء النفس و المؤسسات المدنية في فرنسا أن يجدوا حلاً لموجة العري و الإباحية التي تقدمها وسائل الإعلام للنشء. حين تحدثوا عن الحل قالوا أنه لا يمكن أن يكون الحل في منع هذه الأشياء لأن هذه الاشياء لا يمكن التحكم بها. لا يمكنك كأب أن تمنع إبنك من أن تسقط عليناه علي إعلان في الشارع، لابد أن تتسلل الأفلام و الفيديو كليب إلي عالم أبناؤك خاصة مع إنتشار الإنترنت و وسائل الإتصال و نقل البيانات المختلفة. الحل الذي إقترحوه و طبقوه كان تنمية ملكة النقد لدي الأطفال و المراهقين.

عند التعامل مع الأطفال قدم لهم المعلمون صوراً مختلفة و سألوهم ما الخطأ هنا. في البداية لم يعرف الأطفال ما المشكلة في الصور المقدمة لهم فشرح لهم المعلمون أن هذه الصور هي صور نساء يظهرن أجزاء من أجسادهن و هذا شيء سيء. مع التكرار صار الأطفال يصيحون عندما يلمحون صورة عارية أن هذه الصورة سيئة و بدأ المعلمون معهم نشاطاً لتلوين الأجزاء العارية من أجساد النساء بألوان الفلوماستر كنوع من التغطية لهذه الأجساد العارية. هنا صار لدي الأطفال مبدأ أن العري مرفوض و صاروا ينتقدون ما يلقيه إليهم الإعلام من صور بدلاً من قبولها كما هي.

مع المراهقين عقدت بعض المؤسسات المدنية لهم مؤتمراً قامت المحاضرة فيه بإظهار شرائح علي البروجكتور تضم كل شريحة منها صورتين، واحدة من هذه الصور مأخوذة من مجلة إباحية و الأخري من وسيلة إعلام عادية (فيديو كليب، إعلان تليفزيوني، الخ). علي الطلبة أن يحددوا أي الصورتين مأخوذة من إعلان عادي و أيهما مأخوذة من مجلات إباحية. هنا صدم الطلبة حين إكتشفوا أنهم لا يستطيعون تحديد الفارق بين الصور. تدريجياً إنحدرت وسائل الإعلام إلي درجة تقترب من المجلات الإباحية التي إن أباحها القانون إلا أنها تلاقي قدر من الرفض الإجتماعي و الأخلاقي. هنا صار الطلبة ينتقدون ما يلقي أليهم و يتنبهون للمنحدر الذي تسير فيه وسائل الإعلام الغربية بسرعة متزايدة.

المشكلة أن الإعلام بشكله الحالي يشجع علي ثقافة التلقي، فالتليفزيون الذي يفتحه المرء أثناء تناول الطعام أو الجريدة التي يقرأوها كل يوم في الطريق إلي العمل كلها أشياء تجعل القاريء أو المشاهد في موقف المتلقي بدون أن يقوم بالكثير من التفكير، بعكس الكتب مثلاً التي يبذل المرء مجهوداً للوصول لها من بحث في المكتبات و سؤال المعارف و الأصدقاء عن الكتب الجيدة التي قرأوها، الخ. بالتالي التليفزيون و الجريدة اليومية لا تشجع المشاهد أو القاريء كثيراً علي نقد ما يلقي إليه بل فقط هو يتلقاه كيفما كان.

تنمية ملكة النقد هي أحد أروع الأشياء التي يمكن أن يقدمها المرء لمن يربيه و للأسف هي نقطة غائبة عن العقلية العربية. طاعة الوالدين أو المعلم تستخدم في أحيان كثيرة كوسيلة لقتل ملكة النقد لدي النشء سواء قصد الأبوين ذلك أم لم يقصدوه.لم أر في حياتي الأب الذي يدرب إبنه علي التفكير، الذي يعلمه الفارق بين الرأي الشخصي و المباديء التي لا خلاف عليها (و هي مباديء الدين)، الأب الذي يلقي رأيه الشخصي علي إبنه ثم يعلمه أن ينتقد رأيه و يفكر فيما إن كان هذا الرأي صواباً أم لا، الأب الذي يرسم لإبنه أسلوب تفكير قائم علي ثوابت (و هي الدين و العلم) و متغيرات و هي كثيرة للغاية.

أحد أقاربي أب محبوب للغاية من أبناؤه و قد رباهم منذ الصغر علي فكرة أن كلية الهندسة هي أفضل كلية في الدنيا. بعد أن كبر أبناؤه الخمسة و دخلوا جميعاً كلية الهندسة و تخرجوا منها و في جلسة عائلية تحدثنا عما إذا كان دخول كلية الهندسة قراراً سليماً. قال الأب أنا لم أجبر أحداً علي شيء فردت عليه إبنته قائلة (أنت قولبت تفكيرنا علي كلية الهندسة بحيث لم تترك لنا خياراً). الأب لم يكن يقصد سوءاً، هو إستغل علاقته الجيدة بأبناؤه ليغرس فيهم الكثير من المباديء و من ضمنها مبدأ أن كلية الهندسة هي أفضل كلية في العالم. علي الرغم من أن الموضوع لم يحتوي شيء من الديكتاتورية الواضحة إلا أن هناك عبارة قرأتها تعبر عن هذا الموقف : (الأب هو الديكتاتور الذي يحكم أبناؤه بسلطان الحب). هنا الأب لم يربي في أبناؤه قدرة علي نقد أراؤه الشخصية بل فقط هو القاها إليهم و هم إعتنقوها بسبب حبهم العميق له.

أعترف أن الأمر شديد الصعوبة، أن يحافظ الأب علي علاقة هي مزيج من الحب و الإحترام و الثقة و الخوف و القدرة علي النقد لدي إبنه تجاهه إلا أني لم أر أحداً حاول و فشل، الفكرة ليست في أذهان معظم الناس أساساً.

النقد و التفكير في الدين

في الماضي حاولت حضور بعض الدروس الدينية في الفقه. كانت الدروس سطحية للأسف تلقي بعض الأحكام الفقهية علي آذان المستمعين. كان المحاضر يتبع أسلوباً في التدرج مع الحاضرين بحيث ينتقل الدارسين من درجة إلي التي تليها. كان يلقي علي الناس الأحكام الفقهية دون أن يخبرهم من أين أتت، و في الأحكام التي فيها خلاف بين الفقهاء كان يلقي الرأي الذي يعتقد هو بصحته دون أن يشرح لماذا. كان يقول أن طلبة المراحل الأولي ليست لديهم القدرة علي المقارنة بين الأحكام الفقهية و بالتالي ليس مسموحاً لهم أن يعرفوا لماذا يقتنع هو برأي دون آخر لذا هو يخبرهم بما يراه صواباً دون مناقشة. طلبة المراحل المتقدمة يمكنهم أن يكونوا أراؤهم الخاصة بناء علي ما يقرأون و يسمعون.

المشكلة أنه لم يكن يسير في طريق يمكن المرء من تكوين رأي فقهي سليم. في المرحلة الأولي (التي كنت فيها) كان يلقي علي أسماع الحاضرين أحكام تتعلق بأشياء عامة مثل الوضوء و الصلاة. هذه الأحكام إن لم يكن يعرف الكثير من الناس الأحكام الهامة منها فإنه يمكن الوصول لها من أي كتاب فقهي بسيط. لم تكن هذه بداية تؤدي لأن يتعلم المرء كيف يفكر في الفقه و كيف ينتقدوا أراؤه. الطريقة التي يسير عليها هي طريقة تراكم معلومات، بالتالي حتي طلبة المراحل المتقدمة لن يكونوا مؤهلين لأن يكونوا أراؤهم الفقهية بأنفسهم.

ما زاد الطين بلة أنه كان يقبل أي سؤال من أي نوع. كان الكثير من الأسئلة تتعلق بحالات خاصة لا يمكن أن تحدث لشخص عادي ولا تمثل سؤالاً حول مباديء فقهية معينة. علي سبيل المثال ذات مرة سأله أحدهم (هل يجوز دخول الحمام بدون شبشب). هذا سؤال من مئات الأسئلة المشابهة المثيرة للأعصاب و المريع أن المحاضر كان يجيب علي هذه الأسئلة. هذه الأسئلة لا أهمية لها في ذاتها (فلا توجد أزمة نقص شباشب في مصر) و هي أسئلة لن تساعد من سألها علي تكوين أسلوب تفكير في المسائل الفقهية. علي الرغم من هذا لم يكن المحاضر يرفض سؤالاً، و لم يكن ينبه أي شخص أن هذا سؤال لا فائدة منه و لا معني. هذا المحاضر كان خريج كلية الهندسة و معظم الطلبة الذين كانوا في هذه الدروس كانوا معي في الكلية (هندسة عين شمس). هؤلاء هم من يفترض فيهم أنهم عقليات مفكرة. بالطبع بعد محاضرتين لم أستطع الإستمرار في هذا الهراء حفاظاً علي وقتي و أعصابي.

في واحدة من المحاضرتين حكي هذا المحاضر عن أنه حين كان طالباً لم يكن أهله يسمحون له بالتأخر خارج البيت مهما كانت المبررات. بالطبع بالنسبة لطالب الهندسة لابد من ان يتأخر المرء لحضور معمل أجهزته (مفوتة) لأنها في الكلية منذ الستينات و علي الرغم من هذا لا تلغي الكلية المعمل لأن (اللايحة كده) أو محاضرة رأي دكتور أنه سينقل فيها خلاصة العلم و الحكمة التي يحملها إلي الطلبة لذا لابد أن يلقيها حتي لو الساعة التاسعة مساءاً لأنه لا توجد مدرجات خالية و هو قد إستنفذ محاضراته. لذا ذات مرة تأخر صاحبنا و في طريق العودة إلي البيت كان يحمل هم العقاب الذي سيتلقاه حين يدخل من باب البيت. حين دخل إلي البيت إكتشف أن أهل البيت جميعاً مشغولون بالبحث عن فأر إختفي بعد أن لمحه أحدهم لذا لم ينتبه أحد لعودته متأخراً و مر الأمر في سلام.

في رأيي أن هذه التنشئة، التنشئة التي لا تقبل من طالب في الكلية التأخير قليلاً خارج البيت حتي لو كان التأخير بسبب الكلية و لا تقبل مناقشة أو أعذار هي التي أدت إلي عقلية أن الكبار علي صواب دائماً التي إتبعها هذا المحاضر مع الطلبة. ما دمت صغيراً فليس لك رأي و ليست لك القدرة علي تكوين رأي، و حين تكبر يمكنك أن يكون لك رأيك الخاص. تكوين أسلوب تفكير و نقد أسلوب الغير شيء ينطوي علي الكثير من الديمقراطية التي تفتقر لها الأسر و نظم التعليم و التربية العربية.

فيما بعد قرأت للشيخ القرضاوي الصفات التي يجب توافرها في الفقيه و كان منها فهمه للغة العربية و الأدب و الشعر العربي خاصة لغة العرب القديمة لأنها اللغة التي أنزل بها القرآن. بعدها قرأت أن بعض المفسرين لم يفهموا بعض الفاظ القرآن إلا من مواقف إحتكوا فيها بأعراب و سمعوا لفظاً قرآنياً يستخدمه العرب ففهموا معني اللفظ. هذه نقطة فارقة كفيلة بأن لا تجعلني أصلح فقيهاً أبداً و تساهم في رسم حدود قدراتي في هذا المجال، لأني لا أحب اللغة العربية و لا أفهم لغة العرب القديمة و لا أطيق الشعر العربي بأي شكل من الأشكال. علي الرغم من هذا فإن هذه نقطة تجعلني حين أسمع رأياً فقهياً مبنياً علي آية فيها لفظ غريب أتساءل هل فهم من ألقي بهذا الرأي هذه الآية فهماً سليماً؟ يمكنني هنا أن أبحث عن تفسير هذه الآية في أكثر من كتاب تفسير و ما وراء هذه اللفظ لأتأكد من هذه الرأي الفقهي الذي سمعته. بإختصار، نقطة فهم لغة العرب القديمة عامل يساعد في تكوين أسلوب تفكير في بناء الآراء الفقية و تلقيها و قبولها (و بالطبع ليس هو العامل الوحيد).

بالطبع الأمر يحتاج إلي توازن حتي لا نقع في الإفراط أو التفريط، التفريط الذي قد يؤدي إلي نوع من الكهنوت يتولي الفهم و التفسير فيه قلة من الناس بينما يتلقي الآخرون ما يلقي إليهم بدون تفكير، و الإفراط الذي قد يؤدي إلي ما يحدث كثيراً من اشخاص متحمسين قرأ كل منهم بضعة كتب فظن نفسه فقيه الغبراء و خرج ليعارض كل ما إتفق عليه القدماء و المحدثين و لسان حاله يقول مثل أبي العلاء المعري :

إني و إن كنت الآخير زمانه      لآت بما لم تستطعه الأوائل

مرة أخري أنا أركز علي تكوين أسلوب تفكير و مدي أهمية هذه النقطة التي تفوق أهمية حفظ بضعة معلومات يمكن لأي شخص محدود الذكاء أن يجدها بسهولة علي الإنترنت أو في الكتب.


إقرأ أيضاً:

7 ردود على “أسلوب التفكير و ملكة النقد”

  1. يقول Lamiaa:

    في ظني ان السبب في غياب فكرة تنمية ” اسلوب تفكير وملكة نقد ” عن المربيين في مجتمعنا عائد لمجموعة من الافكار الباليه والراسخة في وجدانهم . ” اكبر منك بيوم يعرف عنك بسنه ” مقولة تتردد كثيرا , ومبدأ أن الكبار يجب أن يكونوا علي صواب دائما , فتجد المربي يخشي أن لو شجع ملكة النقد لدي المتلقيين عنه, أو كان لأحدهم فكره الخاص , فلربما كشف ضعف موقفه وأظهر بعض نقاط الضعف في اسطورة علمه الذي لا يقهر .لا يقبل الكبار فكرة انهم بشر .

    وعن هذا السلوك نشأت ثقافة التلقي لدي الشباب , فتجدهم علي كل الأصعدة بانتظار من يملي عليهم ما يفعلوه , بانتظار من يلقي لهم أفكار واراء يعتنقونها ويدافعوا عنها كما لو كانت قضية عمرهم.
    ربما لكون الدين محور اساسي في حياتنا فالامر أشد وضوحا فيما يتعلق به .. لكنك تراه أيضا في غيره من أمور الحياة

  2. يقول محمد عادل:

    معك حق يا لمياء.

    الكبار أكثر علماً و خبرة من الصغار، هذا منطقي، و لكن ليس المفترض أن يستمر الي الأبد. الصغير لا يعرف القراءة و لكن الكبير يعلمه القراءة. إن كان الكبير تفكيره منظم (كما يفترض) فيجب أن ينمي التفكير لدي الصغير أيضاً لا أن يقتل لديه القدرة علي التفكير.

    أما عن فكرة قبول أن يكون الكبير علي خطأ، فكرة سؤال المربي لتلميذه عن رأيه و قبول الرأي الأصوب أيا ما كان مصدره تمثل تربية أخلاقية قبل أن تكون تربية عقلية. هذا يعلم التلميذ أو الصغير التواضع، و يعلمه قبول الحق أيا ما كان مصدره. رفض الكبير لرأي الصغير كي لا تتغير صورته أو يظهر ضعف موقفه مثال في فساد الأخلاق قبل أن يكون فساد للعقل.

  3. يقول مروان:

    باشا طبعا انت عارف مقدما اني هخالفك في رأيك

    أولا طريقة المحاضر ديه طريقة على حد علمي لا خلاف عليها لأن المفترض أول حاجة بيتعلمها من يريد تعلم الدين أن يدرس الأحكام اختصارا بأقل تفصيل (وديه مرحلة التقليد كما تسمى في الأصول ) وفي هذه المرحلة انت تتلقي من فرد بعينة الأحكام الفقهية ولاحظ ان الفقه لا يشمل كيفية استنباط الأحكام أنت تقصد علم أصول الفقه وليس الفقه

    ثانيا: كونك تستطيع الحصول على هذه المعلومة من كتاب وما يدريك أن كل الناس تفهم الكتب ؟ لا أريد أن أشرح مثالا بشعا واجهني وكنت في درس عن الطهارة ليسألني من بجواري عن سؤال لغوي بدائي تماما

    قضية الشباشب : أنا حاليا معنديش شبشب في البيت والسؤال ده يناسبني تماما (ملحوظة أنا فعلا لا أمزح ) ولو لم أكن أعلم اجابته لسألتك عنه :)

    أما للوصول للطريقة التي تستنبط بها الأحكام فجيب دراسة العلوم الأصلية أو على الإقل الإلمام بها

    من أمثلتها : اللغة العربية

    هضرب مثال بسيط جدا هناك حديث يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان كله

    وحديث أخر عن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الشك

    إذا أعملت عقليتك النقدية فلن تدري هل تصوم يوم الشك تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يصوم شعبان كله ؟ أم ستتوقف عنه للحديث الثاني ؟

    واللغة تجيبك عن ذلك أن العربي كان يطلع ألفاظ مثل كله وجله وأكتع وأجدع ولا يعني بها الشمول بل يقصد على الكثرة وكان العرب يطلقون مثلا لفظ ألف ألف على العدد الكبير جدا مما لا يقدرون على حصره ولا يقصدون بذلك تحديد عدد

    حسنا إذا افترضنا أن هذه القاعدة غير موجودة وقتها سنميل اما لترجيح حديث على حديث (كأن نفترض ان احدهما صواب والأخر خطأ ) وهنا تصطدم بنقتطين

    أولاهما أنك لتعلم صحة الحديث فلا بد من دراسة علم الحديث لتفرق في الإصطلاح بين الصحيح والضعيف والشاذ والغريب والعزيز والمتواتر والمنكر ومن لا أصل له (وهذه صورة من صور التقاسيم ) وتدرك كيف يكون الحديث في كل واحد منهما وحكم العمل به ناهيك عن دراسة علل الحديث والرجال

    فإذا خرجت من هذه النقطة صرت في نقطة جديدة هب أنك بعد التأكد ثبت عندك أن كلا الحديثين صحيح وقتها قد تقول اذا احداهما ناسخ ومنسوخ والناس والمنسوخ لا يكون إلا بدليل أو اجماع !

    إذا تحتاج لدراسة الناسخ والمنسوخ لأثبت لك أنه ليس منسوخا

    لنفترض أنك تعلم هذا أيضا (وهذا مستوى عظيم حقا وان كنت فيه فإني أحسدك بشدة ) واتضح أن أيا من الحديثين ليس بمنسوخ !

    فتضطر لترجيح احداهما على الأخر فتصطدم بقواعد الأصول الفقهية التي تقول : “الجمع أولى من الترجيح ”

    ثم تبدأ في فهم طرق الجمع وقواعدة (غني عن الذكر أن كل هذا بأدلته طبعا ) ثم تختار الجمع ثم تختار الجمع اللغوي المختار سابقا

    لو لاحظت في مسئلة بسيطة للغاية ليس فيها أية من كتاب الله احتجت للعلوم الأتية :

    1- أصول الفقه
    2- اللغة
    3- أصول الحديث وعلله والرجال والمسانيد
    4- الناسخ والمنسوخ
    5- فضلا عن معرفة الأحاديث المتعلقة والأيات للترجيح أو للجمع بإختصار حتى أشرح لك المسئلة شرحا يجعلك قادرا على نقد رأيي الشخصي لا بد من دراسة علوم تحتاج لسنوات لمعرفتها

    لاحظ ان كل ده مدخلناش في حاجة من علوم القرءان (التي تصل بالمناسبة إلى 82 فرعا من العلوم وكل منها له كتبه وعلماءه واساتذته وأشهره التفسير ) أي أنني عندما انتهي من أول مسئلة في الصيام في الغالب سيكون فاتني ثلاث أو أربعة أيام شك

    غالبا ما أتلقى أدوية من الطبيب بغير مناقشة من أنا لأفهم تأثير الباراسيتامول على الكبد أو تأثير الأسبرين لمن يعانون من ضغط الدم فقط من حين أخر أحاول تذكير الطبيب بأن هناك من نصحني بخلاف رأيه لأرى مدى تمكنه من علمه هل سيجيب بطريقة دماغك أو سيبك منهم دول ولاد كلب أم سأجد عنده ردا “يوحي” بالعلم

    لم أدرس علوم وظائف الأعضاء ولا مبادئ الصيدلة ولا أمتلك حتى خلفية كميائية محترمة كي أنتقد الطبيب ولا أعتقد أني على درجة من الحماسة تسمح لي الأن بدراسة الطب ثم الصيدلة لأستطيع انتقاده فقط احاول اختيار أفضل طبيب وسؤاله ومذكرا اياه من حين لاخر بالأراء الأخر

    إذا كنت متحمسا بإمكانك دراسة العلوم الشرعية دراسة مبدئية ستجعلك قادرا على الحكم على أصول اختيار الشيخ والمذهب للصواب والخطأ ولكنك ستظل عاجزا عن انتقاد شيخ قوي مباشرة لأنه سيلقي أمامك بحججه من القواعد التي لا تعلم عنها شيئا وفي الغالب لن تجد حتى الوقت لتعلمها فان لم تكن على يقين من وصفة هذا الطبيب فحاول ان تدخل كلية الطب مثل تلامذة هؤلاء الشيخ وحتى تنتهي من دراستك عليك أن تقبل نصائح طبيبك وادع الله ألا يكون مخطئا وحاول من حين لاخر تذكيره بمن خالفوه لعله لم ينتبه لأدلتهم وارائهم

    أرجو أن أكون أوضحت لك وجهة نظري :)

  4. يقول محمد عادل:

    آسف يا مروان، ال spam filter كان قافش الرسالة بتاعتك مش عارف ليه و مأخدتش بالي غير دلوقت.

    بالنسبة لرأيك في أني لن أستطيع أن أنتقد رأياً فقهياً لأني أفتقد العلم فأنا لا أعترض علي ما قلته، لهذا قلت أني إن وجدت شخص يبني حكماً علي آية بها لفظ غريب مثلاً فسأبحث عن تفسيرها و أري إن كان هو قد فهم هذا اللفظ الغريب عني جيداً أم لا، انا لم أقل أني سأقوم بتفسيرها، دعك من أني لم أقل أني أستطيع أن أعرف مفاتيح التفكير الفقهي كلها لأني للأسف لم أجد من يفكر بهذه الطريقة، انا فقط ضربت مثالاً بما ينبغي أن تكون عليه الأمور. نفس الشيء ينطبق علي باقي نقاط بناء الأحكام الفقهية من حديث و تفسير و مقاصد الشريعة الخ.

    نفس الشيء أفعله في الطب، حين أذهب لطبيب ليخبرني بتشخيص أشك فيه فإني أبحث عن المرض (الذي يدعي أنه المرض الذي أصابني) و أبحث عن أعراضه و العلاج المناسب و مدي إتفاق هذا مع ما قاله. انا لا أشخص بنفسي ولا أصف لنفسي العلاج و لكني لا أقبل العلاج الذي يعطي لي بدون تفكير.

    بالنسبة لنقطة الشبشب فهذا شيء يسأله المرء علي إنفراد لمن يريد من الشيوخ و ليس في محاضرة عامة، المحاضرة للأسئلة الهامة التي تهم الناس كلها أو أغلبها و ليست لأسئلة شخصية. و إن كنت سألتني عن الرأي في هذه القضية فلن أجيبك لأني لا أذكر الإجابة طبعا :).

  5. يقول مروان:

    متفقين

    صادفتني مشكلة مع ابني طبيب حذرني من اعطائه عسل النحل نهائيا قبل عام على الأقل ونبهني أنه خطير جدا

    طبيب أخر أمرني باعطائه عسل النحل

    طبعا بمستواي العلمي لا أستطيع الحكم على أي الرأيين فأشرت لتلك النقطة للطبيب الأخير فقال لي ردا بدا لي مقنعا

    قرئت كلام دكتور خالد توفيق عن مصل انفلونزا الخنازير ورأيته يناقش كلا الرأيين الرافض والمؤيد النتيجة أني خرجت لم أقتنع برأي لا أدري ما هو متلازمة حرب الخليج ولا خطورتها ولا أبعادها لا أدري ما صحة رأي الدكتور أنها لن تصيب من يحصل على المصل

    نفس المسئلة تتكرر بحذافيرها في الفقه كلا الرأيين على وجاهة يوجد سندات قوية تؤيد رأي وترد رأي مثلا قطية نطاق الإجماع

    على سبيل المثال إذا قلنا في قضية مثل ختان الإناث أن رأي فقهاء الإسلام على مر 14 قرنا أن الختان مشروع أي يدور بين الإستحباب والوجوب لا يمكن قط أن تخرج عن هذه الدائرة وتقول انه حرام للسببين هامين

    أولهما أن الخلاف الذي يتعارض فيه الرأيان تعارضا تاما بين من يقول بالوجوب ومن يقول بالحرمة لهو خلاف تتنزه عنه الشريعة الغراء ولا يوجد في مسائل الفقه كلللللللها بلا أي إستثناء مسألة اختلف فيها أهل العلم في أول 12 قرنا من الإسلام في قضية بين من يقول بالوجوب ومن يقول بالحرمة ولم تظهر هذه الأراء إلا في الأزمنة السوداء

    ثانيا: معنى كون الختان (على سبيل المثال ) أنه مشروع أي يدور بين الإستحباب والوجوب أن من لم يفعله معتقدا وجوبه فعله معتقدا استحبابه أو ود لو فعله طلبا للثواب فخروج من يقول الأن أنه حرام فهذا يخطئ 14 قرنا من الإسلام وهذا ينافي عصمة مجموع الأمة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم “أمتي مرحومة لا تجتمع على ضلالة ”

    وهناك أحكام تدور حول المصالح ويحكم فيها الشيخ برأيه (لاحظ برأيه ) بعد أن تفرغ من يده أدوات الحكم والقياس والأدلة فلا يوجد ما يؤيد رأيه أو يعضده فيحكم بما يراه صالحا وفقا لرأيه وقد تختلف الأمة في مسئلة زمنا من الأزمان ثم تعود لتتفق

    وأشهر تلك المسائل قاطبة هي مسئلة الخروج على الحاكم المسلم وسبب شهرتها هي قضية دير الجماجم حيث انقسم أهل العلم فريقين فريق يرى جواز الخروج على الحاكم الفاسق وهو الحجاج وعلى رأس هذا الفريق سعيد بن جبير وفريق رأى كراهة ذلك وعلى رأسه الحسن البصري فماذا حدث بعد انتهاء الفتنة ؟

    ندم من بقي حيا ممن شهد دير الجماجم مع ابن الأشعث لما رئوا من مفاسد عظيمة حدثت نتيجة هذا الخروج وشهدت كتبت التاريخ بندم كل من نجا من تلك الفتنة وحزنه على ما فعل حتى قال بعض السلف وددت لو أني يدي قط قطعت من عضدي ولم أشهد دير الجماجم

    ثم بعد هذه الحادثة ظهر اجماع بين أهل العلم على حرمة الخروج على الحاكم “الفاسق” للفتن التي تصيب الأمة من جراء ذلك واستقواء الأعداء بذلك على أخذ بلاد المسلمين كما قال بن حزم : “نوار الفتنة لا يعقد ”

    وكان أهل الحديث بعد ذلك لا يأخذون بحديث من يرى الخروج على الحاكم وكانوا يسمونهم أصحاب السيف وأشهر قصص ذلك قصة سفيان الثوري مع على بن صالح وأخيه الحسن بن صالح

    الشاهد ان هناك بعض المسائل التي قد يختلف فيها العلماء ويجتهدون فيها وفق ذكائهم واجتهادهم فيصيب من أصاب ويخطئ من أخطئ

    وهناك مسائل لا تأخذها إلا من أهلها فمثلا يلاحظ أن شيوخ السعودية على قوتهم في مسائل الفقه التقليدية وقوتهم في علوم اللغة والبلاغة والقرءان والسنة والحديث إلا أنه نتيجة الثقافة العامة في المملكة فلا يحسنون التعامل مع فتاوى الواقع ومسائل العصر الحديث لخلافا لعلماء مصر حتى ممن تتلمذ على أيديهم وهذه من نقاط اجتهادك في اختيار من تستفتيه وتأخذ برأيه

    بالنسبة لقضية الشبشب ديه مش قضية شخصية ده تطبيق مهم على قضية إذا بلغ الماء قلتين السؤال هل الماء المنسكب على أرضية الحمام طاهر أم لا ؟ هو ده السؤال الحقيقي بعيدا عن قضية الشبشب ولاحظ ان سؤالا قد لا تراه هاما قد يثير اهتمام عشرات غيرك :)

    وابقى صلح بقى موضع السبام بتاعك ده :)

  6. يقول محمد عادل:

    بالنسبة للطب انا لا أري أن الموضوع قابل للإختلاف للدرجة التي تتحدث عنها، المريض مصاب بمرض ما، إما أن يصلح له دواء أو لا يصلح، الخلاف المقبول ممكن مثلاً إن دواء قد يكون اقل فاعلية و لكنه ارخص قليلاً فيناسب مريض فقير و طبيب يري إنه يعطي المريض الدواء الأغلي لأن الأمر يستحق، و لكن لن يصل الموضوع لخلاف حول دواء او طعام خطير و رأي لطبيب آخر يأمر به، لابد أن أحدهما مخطيء بالثلث في رأيي.

    بالنسبة للفقه فمعروف إن هناك إختلاف للعلماء في حدود المقبول. أنا لم أقل أني سأصير فقيهاً فقط انا أتحدث عن نوع من البوصلة تسمح لك بالإبحار في هذا العالم و قبول هذا الرأي أو الإختلاف معه، أو حتي معرفة الأسباب الجذرية للإختلافات.

    علي سبيل المثال البعض يعتبر كل ما أمر به الرسول فرضاً و البعض يري أن الفرض هو ما نهي الرسول عن عكسه فقط (علي سبيل المثال ترك الصلاة حرام إذاً إقامة الصلاة فرض). هذه نقطة تؤدي لإختلافات في عدد من القضايا الفقهية، فهم هذه النقطة علي الأقل قد يمثل سبباً في فهم أسباب الإختلافات أيا ما كان الرأي الذي أقتنع به أو الشخص الذي أثق بآراؤه الفقهية.

    انا قلت أن نقطة مثل عدم حبي للعربية كفيلة بمعرفتي أن لا أصلح لأن أفتي بنفسي في يوم من الأيام مهما قرأت من كتب، و لكنها هامة علي الأقل في أن توفر علي جهداً قد أبذله في مجال أنا غير مؤهل له و تجعلني أشك في رأي من ألمس في أحد إجتهاداته عدم معرفة بلغة العرب القديمة و ما أكثر من يفتون اليوم بدون أن يمتلكوا مؤهلات الفتوي بكافة أشكالها.

    بالنسبة لقضية الشبشب فهي غير مهمة في نطاق ما يدور في الدرس لأن الدرس عام و بسيط و مدته محدودة، لو فتح المجال لكل سؤال من هذه النوعية لأخذ الدرس اطول من وقته من أجل قضية قد تهم البعض ولا تهم الآخرين (و هو ما كان يحدث بالفعل) و لم يشرح أحدهم حكمها من منطلق انها تطبيق لقضية كذا للأسف و إلا لكان الأمر رائعاً ، فالإمام أبي حنيفة كان يشرح مشاكل لا وجود لها في عصره مثل جواز الصلاة دون أن تمس قدما المرء الأرض (و هو علي الأرجوحة مثلاً) كنوع من التدريب لتلاميذه علي تطبيق قواعد الفقه و هو ما تم إستخدامه فيما بعد لتحديد أحكام الصلاة في الطائرة، و لكن لم يكن هذا هو الوضع هنا فقط كان كل شاب يسأل أي سؤال يقفز إلي رأسه فيجيب الشيخ إجابة من نوعية (آه حلال – لا حرام).

    الأمر يشبه أن تكون في محاضرة فيزياء تدور في منهج محدد فيقوم أحدهم ليسأل عن أيهم أفضل في تصميم المفاعلات الذرية، مفاعلات الماء المغلي أم مفاعلات البخار من منطلق إنه (كله فيزياء). بالتأكيد الإختلافات في تصميمات المفاعلات النووية نقطة هامة لبعض الناس و لكن لا تلقي هذا السؤال أمام أشخاص جاؤا لغرض آخر حتي لو كان هذا الغرض (فيزياء) هو كمان.

  7. يقول قلم جاف:

    منذ عامين تقريباً كتبت – بمناسبة الحديث عن تفسير القرآن الكريم – حول الموضوع :

    http://eldeenweldenameet.blogspot.com/2007/09/blog-post_18.html

    الحركة توقفت فقط في الوقت الذي نحتاجها فيه..

    توقفت أولاً لأن مرحلة ما بعد غزو العراق ووصول التطرف المذهبي تصوفاً وتشيعاً وسلفية إلى أسوأ مستوياته ، أعادت الاعتبار لفكرة التمسك بحرفية الأصل ، وظهور “المحدثين” على حساب “الفقهاء” و”المجتهدين”.. بل انعكس ذلك أيضاً على مظاهر العديد من المحدثين – المدرسة الحسانية- وحتى داخل الخطاب الصوفي إلى أبعد مراحل الركون والجمود منذ العصر العثماني ، ووجد الناس في ذلك التمسك وذاك الجمود نوعاً من الأمان ، أولاً لما يحمله التشدد في ثقافتنا من علاقة بالتقوى والورع والزهد ، وثانياً لأنه على الطرف الآخر ظهر “المفكرون الإسلاميون” الذين يتبنون تصورات تقف على النقيض تماماً من النص ، تخاصمه ، وتعاديه ، وتشكك فيه ، ولا تعمل فيه عقلها ، ولا تتمتع بالحد الأدنى من الخيال الذي يتيح تفسير النصوص أبعد من مدلولها اللغوي الظاهر (= المعنى المباشر يعني ) فضلاً عن افتقارهم الفاضح لفهم اللغة ومعانيها الظاهرة والمستترة ، و إصرارهم – مثلهم مثل المحدثين – على لعب كل الأدوار في عصر أبسط مفرداته التخصص والعمل الجماعي..

    والله أعلم..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *