البجعة السوداء

إستطراد

لألفريد هيتشكوك كتاب جمع فيه عدداً من قصص الرعب من كتاب مختلفين إسمه (قصص لن يسمحوا لي بعرضها علي التلفزيون Stories They Wouldn’t Let Me Do on TV ). سأستعير هذه الفكرة هنا، هذا المقال إستطراد علي حلقة البجعة السوداء للدحيح التي كتبتها، في هذا المقال أكتب ما لم يسمح لي بقوله في الحلقة. لم يمنعني فريق الدحيح من قول هذا الكلام و إنما منعني وسيلة التقديم، الفيديو كان بالفعل طويل بما يكفي، لكن في الكتابة يمكنني أن أطيل و (أرغي براحتي) أكثر من الفيديو و أعرض أرائي الشخصية و فلسفاتي التي لا تهم أحد كما قال أحمد خالد توفيق رحمه الله . يقول عالم الإعلام الكندي مارشال مالكوهان أن الوسط هو الرسالة The mediums is the message بمعني أن الوسط الذي تنقل من خلاله فكرة أو معلومة يحدد بدرجة كبيرة نوعية الفكرة أو المعلومة التي تنقلها، بالتالي هنا سأتكلم بما لم يسمح لي الفيديو كوسيلة إعلام قوله.

هذا المقال يفترض أنك شاهدت حلقة الدحيح.

لماذا لا يمكننا توقع حوادث البجعة السوداء

لماذا لا يستطيع البشر توقع الأحداث نادرة الحدوث؟ في الحلقة تكلمنا عن النظم المعقدة التي تتميز بال feedback، عامل يؤثر في الثاني ثم يؤثر الثاني في الثالث ثم يؤثر الثالث في الأول في دائرة تزيد فيها الأمور بشكل تصاعدي. لكن هذا ليس السبب الوحيد و إن كان هو السبب الأهم، لكن هناك أسباب أخري

يعرف الكثير من الناس فكرة أن حركة جناح فراشة في افريقيا قد تتسبب في إعصار في أمريكا بسبب التأثير المركب لحركة الجناح في الهواء الذي يوثر في مئات الأشياء في سلسلة متصلة لا نهاية لها. برغم من أن الموضوع مثير حين يتم عرضه في أفلام حيث يري المرء أثر فعل بسيط يغير حياته من إتجاه لإتجاه آخر تماماً - عادة ما تدور هذه النوعية من الأفلام في إطار قصتين معروضتين علي التوازي نري فيهم كيف تسير حياة أبطالها مع أو بدون الحدث الذي يبدو بسيطاً - لكن أحداً لا يعرض تطبيق هذه الفكرة في الحياة العملية أو أثرها علي مشاكل علمية نظرية. أحياناً ما تسمي هذه الفكرة بنظرية الفوضي .

نظرية الفوضي تتكلم عن نظام ممكن وصفه بمعادلات لكن تغيير صغير في المدخلات يسبب فرق كبيير في النتيجة، مثل البندول المزدوج، بندول آخره بندول آخر. لو قمنا بشد البندول عشرين درجة و تركناه يتمأرجح عندنا معادلات تحسب كيف سيتحرك مع الوقت. المشكلة اننا لو حركناه عشرين درجة و واحد من مائة سيتحرك حركة مختلفة تماما. بالتالي بما انه يستحيل أن نقيس بدقة عالية فهذه المعادلات لا فائدة منها، القياس التقريبي لن تنتج عنه نتيجة تقريبية.علي الورق يوصف البندول المزدوج بإنه deterministic، نحن نعرف كيف سيتحرك، لكن في الحقيقة و علي ارض الواقع هو ليس كذلك. اقل تغيير سينسف الدنيا.

قام أحد علماء الفيزياء بحساب نظري للعبة البلياردو. تخيل أنك تلعب بلياردو و تعرف تماماً وزن الكرات و العصا و معاملات المرونة coefficient of elasticity للتصادم بين الكرات و معامل الإحتكاك بين الكرات و سطح طاولة البلياردو، الخ. يمكن بسهولة حساب القوة المطلوبة و الإتجاه لضرب الكرة الأولي ثم تصادمها بالثانية حتي تسقط في الجيب في جانب الطاولة. يمكن أيضاً أن نحسب القوة و الإتجاه المطلوبية لإسقاط كرة من تصادمين: الكرة الأولي تصتدم بالثانية ثم الثالثة ثم تسقط هذه في الجيب. عندما نصل لتسع تصادمات تصير الحسابات متأثرة بأي شخص يقف بجوار طاولة البلياردو. الأجسام لها جاذبية، و بالرغم من أن الشخص العادي بسبب كتلته البسيطة قوة جاذبيته لا يعتد بها إلا أن تراكم تأثير جاذبية الشخص العادي حين يتراكب مرة وراء مرة حتي نصل لتسع مرات يصير مؤثراً في حركة و إتجاه الكرة التاسعة بشكل يمكن أن يجعل حساباتنا غير سليمة. لو وصلنا لتسعة و ستين تصادم قبل أن تسقط الكرة في الجيب فإن حركة إلكترون واحد علي أطراف الكون المعروفة لنا ستؤثر في الحسابات.

هذا مثال أكثر تقريباً من أمثلة الفراشة و أمثلة الأفلام الفلسفية لكنه يظل مثال نظري ، لعبة عقلية.

التطبيق العملي لأثر الفراشة يمكن أن نراه في مشكلة قديمة من مئات السنين إسمها مشكلة الأجسام الثلاثة three bodies problem، المشكلة شديدة الشهرة حتي أن هناك مسلسل خيال علمي بهذا الإسم ليس له علاقة بالمشكلة الحقيقية لكنه إستغل الإسم المشهور. مشكلة الأجسام الثلاثة هي أن يكون هناك ثلاث أجسام تجذب بعضها البعض، مثل القمر و الأرض و الشمس. إن أردنا حساب حركة هذه الأجسام فإن أقل خطاً في القياسات الأولية في موضع و سرعة هذه الأجسام تجعل أي حسابات فيما بعد غير سليمة بسبب التأثير المركب لجذب هذه الأجسام لبعضها.

في حالة الأرض و القمر، فالشيء الذي يجعلنا نستطيع حساب حركة الأرض و القمر و مواعيد الكسوف و الخسوف هو شيئين:

  1. إعتبار أن الأرض و القمر لا يجذبون الشمس بسبب فرق الكتلة المهول بينهم. هذا يسمح بإجراء حسابات تقريبية سليمة بدرجة معقولة.
  2. عدم إجراء حسابات بأي معادلات من أي نوع بل بإستخدام ما يعرف بالتحليل الرقمي numberical analysis. الفكرة بسيطة: بدلاً من أن نحاول حساب موضع الأجسام الثلاثة بعد عشر سنين بمعادلة واحدة، ماذا لو حسبنا موقعهم بعد ثانية واحدة من الآن؟ هنا يمكننا أن نفترض أن حركة هذه الأجسام حركة خطية بلا منحنيات ولا تعقيد. حسبنا موقعهم بعد ثانية؟ عظيم، فلنستخدم هذا الموقع في حساب موقعهم بعد ثانية أخري من الثانية الأولي، و هكذا حتي نصل لحساب موقعهم بعد عشر سنين.

كما تري أسلوب ال numberical analysis هو أسلوب محاكة بدرجة ما، نحن نحاكي حركة الأجسام ثانية بثانية بدلاً من أن نعتمد علي معادلة معقدة تحسب كل شيء مرة واحدة.

كما لك أن تتوقع فإن تطبيق هذا الأسلوب بالورقة و القلم يؤدي للجنون، بالرغم من أن أول أساليب التحليل الرقمي لحل المسائل الرياضية التي لا توجد لها معادلة معروف من العهد البابلي إلا أن إستخدام التحليل الرقمي لم يصبح شائعاً إلا بعد إختراع الكمبيوتر. هذه أحد أول أمثلة إستخدام محاكاة الكمبيوتر حيث تعجز الرياضيات القائمة علي ما يسمي بال closed form formula - لا أعرف كيف يمكن أن أترجم هذا المصطلح - و هو ما يعني الرياضيات القائمة علي معادلات محددة برموز و علامة تساوي بين شطري المعادلة.

الجانب الآخر لنظرية الفوضي أن كثير من الظواهر الطبيعية التي تبدو عشوائية ورائها منظومات بسيطة لكن كل منظومة بسيطة تؤثر في الأخري فيصير عندنا نظام معقد يبدو عشوائي. مشكلة الأجسام الثلاثة هي مشكلة بسيطة للغاية يمكننا حسابها (التجاذب بين جسمين) لكنها تم تطبيقها علي ثلاثة أجسام يجذب كل منها الإثنان الآخرين. لو نظرت للأمور بهذه الطريقة يمكنك أن تجد المئات من الأشياء التي تبدو عشوائية لكن خلفها نظام مفهوم لكنه complex.

هناك عالم رياضيا ساحق الشهرة إسمه بنوا ماندلبورت، توفي من ما يقرب من عشر أعوام و وقت وفاته كان يصنف من قبل بعض الناس علي أنه أهم عالم رياضيات علي قيد الحياة. هو واحد من هؤلاء الذين يضعون أنفهم في كل مناحي العلم بالتالي ستجد أنه تم تكريمه من مختلف الجامعات و الشركات علي إنجازات في فروع مختلفة من العلم، حتي أنه تلقي عرضاً بالتدريس في إحدي كليات الطب. عمل ماندلبورت مع عمالقة من مختلف المجالات، من علم النفس حيث عمل مع جان بياجيت رائد علم تطور عقل الأطفال إلي جون فون نيومان، عضو فريق العلماء الذي صنع القنبلة الذرية و صاحب الإسهامات المتعددة في مختلف مجالات الحياة - الكمبيوتر أو الهاتف الذي تقرأ عليه هذه الكلمات تصميمه يتبع ما يسمي بمعمارية فون نيومان Von Numann archicture.

كان ماندلبورت هو أول من تكلم عن إستخدام توزيع ال power law في الإقتصاد، الأمر بدأ من رصد أسعار القطن التي إكتشف ماندلبورت في ورقة منشورة له في أواخر الخمسينات أنها لا تخضع لل normal distribution ثم إمتد لباقي مناحي الإقتصاد. عندما وصل للستينات نشر ماندلبورت الورقة العلمية التي وضعتها كمصدر من مصادر الحلقة التي كانت مقدمتها العبارة التالية:

“هذا عرض غير رسمي و غير رياضي لمختلف الأساليب الرياضية التي يمكن بها دراسة المضاربات و الظواهر الإقتصادية الأخري. الفرضية الأساسية التي أقدمها هنا هي أن إستخدام عدد غير محدود من العينات ذات تباين variance لا نهائي هي شيء لا غني عنه إن أردنا الوصول لوصف فعال لتغير الأسعار، فروق الدخل، أحجام الشركات، الخ”

كان ماندلبورت أول من أثار فكرة إنه لا غني عن إستخدام ال power law عند دراسة الإقتصاد، بإنحراف معياري لا نهائي إن أردنا وصف الإقتصاد فعلاً بشكل مفيد و فعال، و بالرغم من أن إستخدام إنحراف معياري يساوي ما لا نهاية مستحيل في المعادلات الرياضية فإن ماندلبورت علي الأقل حاول تقديم وسائل تقريبية رغم أنه هو شخصياً أقر بأنها إقتراحات غير رسمية و غير رياضية. عندما قدم ماندلبورت أفكاره أثارت إهتمام علماء الإقتصاد في البداية لكنها كانت تضع علم الإقتصاد في درجة أقل من الثقة، مما يعيق الكثير من السياسات التي تمزج الأيديولوجيا بالسياسة بالفساد المرتبط بالسياسة. بالتالي في البداية عرض رئيس جامعة شيكاجو علي ماندلبورت منصب في الجامعة ثم تراجع عن هذا العرض فيما بعد. إن لم تكن تعرف فجامعة شيكاجو هي واحدة من أهم عشر جامعات في مجال الإقتصاد في العالم. رئيس الجامعة الذي قدم العرض ثم سحبه فيما بعد كان جورج شولتز شخصياً، وزير الخزانة في عهد نيكسون و وزير الخارجية في عهد ريجان. الورقة البحثية التي وضعتها في مصادر الحلقة تبعيها مجلة جامعة شيكاجو الآن ضمن مكتبتها الإلكترونية !

لكن ماندلبورت لم يكن بحاجة لهذا المنصب لإنه يوصف بأنه (نجم الروك في عالم الرياضيات The rock star of mathematics) لأسباب سنراها لاحقاً.

لم يكن إسهام ماندلبورت الذي ذكرناه في عالم الإقتصاد هو إسهامه الأكثر شهرة. أشهر إسهامات ماندلبورت و التي كان هو شخصياً يحب أن يعرفه الناس بها هي إسهاماته في ال fractals التي تترجم للعربية بالكسوريات.

ال fractals هي معادلات، عند رسمها ترسم أشكالاً، لكن بتدقيق النظر نجد أن الشكل الأكبر يحتوي في داخله تكرار لنفس النمط بحجم أصغر و الشكل الأصغر يحمل داخله نفس النمط بحجم أصغر و أصغر. تعرف هذه الخاصية بتشابه الذات self similarity.

إن بحثت عن خلفيات لسطح المكتب قائمة علي رسومات و معادلات ال fractals ستجد الكثير و ستجد أن فكرة ال fractals جذبت الكثير من الفنانين و الرسامين لأعمال ماندلبورت و كانت عامل من عوامل شهرته وسط العامة و أحد عوامل تحوله لنجم روك في عالم الرياضيات.

fractals

توزيع ال power law يتميز بهذه الصفة اللطيفة، صفة ال self similarity. إن نظرت لتوزيع الثروة بين المليارديرات و نظرت لتوزيع الثروة بين المليونيرات ستجد نفس التوزيع بنفس الفروق، توزيع ال power law هو توزيع يعيد تكرار نفسه بدرجات أصغر إلي ما لا نهاية. من هنا ستجد أن البعض يسمي توزيع ال power law توزيع ماندلبورت.

في الحياة ظهر أن كثير من الظواهر الطبيعية التي تبدو عشوائية مثل شكل السواحل هي fractals، النمط الأكبر يتكرر بحجم أصغر و يتكرر داخل الحجم الأصغر نفس الشكل بحجم أصغر و أصغر، الخ. فقط عليك أن تجد الزاوية التي تنظر منها للأمور، عليك أن تجد النموذج الذي يتكرر مرة ثم الآخري ثم الأخري. أنظر مثلاً لهذه الصور لساحل بريطانيا، التي تختار جزءاً معيناً ثم تقوم بعمل زوم داخل هذا الجزء مرة و إثنان و خمسة. كلما إقتربت أكثر و أكثر ستجد أن الشكل العام للشاطيء يتكرر في المساحة الأصغر.

uk1 uk2 uk3 uk4 uk5

فكرة ال fractals في شكل الشاطيء تؤدي لمتناقضة شهيرة إسمها متناقضة طول الساحل coastline paradox، و التي تقول أنه من المستحيل قياس طول أي ساحل. لو قسنا طول ساحل إنجلترا بخطوط مستقيمة للتقريب، طول كل خط منها 100 كيلو متر سنجد أن طول ساحل هو 2800 كم. لو إستخدمنا خطوط طول كل منها 50 كيلو متر فقط سنجد أن طول الساحل صار 3400 كم. نحن لا نعرف حدوداً لتصغير طول الخط المستخدم لأن شكل الساحل يتكرر بنفس النمط مرات لا نهائية داخل بعضها البعض بالتالي يستحيل قياس طول أي ساحل في العالم.

uk100 uk50

هنا تظهر وجهة نظر آخري لنظرية الفوضي: بدلاً من نقول أن النظم ال deterministic علي الورق هي فعلياً نظم لا يمكننا التنبوء بها، يمكننا القول أن لدينا معادلة أو نموذج يصف أشياء كانت تبدو لنا عشوائية، عثرنا علي شيء من النظام في شيء كان يبدو عشوائياً. هناك نموذج سهل الفهم نسبياً لكن تكراره بشكل نمطي، سواء في شكل يشبه نفسه self similarity أو في شكل أجزاء كثيرة تؤثر في بعضها البعض مثل مشكلة الأجسام الثلاثة هو ما يجعل الأمور معقدة و صعبة في نظرنا.

هنا سنصل لنقطة إتصال مثيرة للتأمل بين ما فعله ماندلبورت و ما فعله ستيفن ولفرام عالم الحاسبات الشهير الذي ما زال علي قيد الحياة.

ستيفن ولفرام أنتج نظم حاسوبية computational معقدة تعيد تكرار نفسها من قواعد بسيطة. فكر في النظام الآتي كمثال:

لدينا صفوف تتكون من مربعات صغيرة pixels، كل مربع له لون أبيض أو أسود. سنبدأ بمربع في المنتصف لونه أسود و كل المربعات بيضاء. في الصف التالي سنتبع قاعدة بسيطة: أي مربع يجاوره مربع واحد فقط أسود اللون يصير أسود. طبق هذه القاعدة علي كل صف بناء علي ما تراه في الصف السابق، ستجد أن هناك نموذج شكلي معقد ظهر و صار يتكرر بلا نهاية.

cellular automata

هذه النماذج الحاسوبية تسمي cellular automata. في شبابه كان ستيفن ولفرام يعمل مع ريتشارد فاينمان و كان فاينمان متحمس له بشدة، كان ولفرام يقدم نتائج أبحاثه في مؤتمرات علمية و كان بعض الحاضرين ينتقدوه فيقوم فاينمان من وسط الحضور، بسنه و هيبته كأهم عالم أمريكي وقتها علي قيد الحياة و باسلوبه المسرحي الشهير الذي لا يبالي بأحد ليسلخ معارضي ولفرام فيخرسوا.

أنتج ستيفن ولفرام عددا من هذه النماذج و عرضها علي ريتشارد فاينمان. أخذ فاينمان ورقة طويلة مطبوع عليها واحدة من هذه النماذج و فردها علي الأرض و فرد جسده علي الأرض بجوارها لأيام يحدق فيها محاولاً الوصول لقاعدة رياضية أو تسلسل أفكار يصل في النهاية بولفرام لهذا الإكتشاف ثم إستسلم، سأل ولفرام (كيف وصلت لهذه القاعدة؟)فرد ولفرام أنه وصل لها بالصدفة، كان يلعب فإكتشف هذا، هنا هدأ فاينمان لإنه كان يظن أن هناك إثبات رياضي أو معادلة ما يمكن المرء عن طريقها أن يستنتج ال cellular automata فلما عرف أنه لا توجد قاعدة بل هي مجرد تجربة و خطأ من ولفرام هدأ.

هذه ال cellular automata و ال fractals و ما يشبهها من النظم المعقدة التي تبدأ من قاعدة بسيطة هي ما أعطت ستيفن ولفرام فكرة أنه ربما كان هذا الكون الذي يبدو لنا معقد هو مجرد تراكب بسيط لقواعد بسيطة ولا توجد قدرة خارقة وراء الخلق و الكون، و هي الفكرة التي عبر عنها في كتاب(نوع جديد من العلم A new kind of science) الذي ذكر في حلقة الدحيح.

كالعادة ما أن يفهم الإنسان شيئاً ما كان خافياً علي عقله حتي يقفز لنفي الألوهية، منذ بداية عصر التنوير و حتي اليوم و ولفرام ليس إستثناءاً.

علي أرض الواقع هذا الكلام تطبيقاته بسيطة إن لم تكن منعدمة، الشكل المتراكب ما زال معقداً، مازال أقل تغيير في المدخلات لمعادلاته تنتج شكلاً مختلفاً تماماً، الخ. مازلنا عاجزين عن التنبوء بأي شيء تلمسه نظرية الفوضي من قريب أو بعيد، بالتالي كون المرء فهم أن هناك شيء ما وراء ما كان يظن أنه فوضي لا يعني أي شيء عملي مفيد علي أرض الواقع. لن أتكلم عن أن فكرة الألوهية و الخلق و الأشياء التي لا نعرفها ولا نفهمها ولا نستطيع التنبوء و التحكم بها أكبر بكثير من مجرد رؤية بعض النظام في الفوضي لأن فكرة ولفرام عموماً سخيفة للقدر الذي يجعلك عاجزاً عن أن تختار نقطة تبدأ منها تفنيدها.

في أثناء دراستي في كلية الهندسة بجامعة عين شمس تعرضت لميكانيكا الكم تعرض بسيط أثناء دراسة مادة تسمي material مادة واحدة لترم واحد. قبل أن نبدأ الدراسة كنا نسمع عن هذه المادة و عن أنها صعبة غير مفهومة، الخ. دخل أستاذ المادة في أول محاضرة ليقول إنكم تقولون علي المادة إنها صعبة و معقدة بينما هي سهلة للغاية، هي فقط مبنية علي رياضيات و فيزياء لم تدرسوها! فيما بعد في الترم التالي بعد أن إنتهينا من المادة و إمتحنا، في محاضرة الفيزياء كان دكتور الفيزياء يشرح شيئاً ثم يقول (و هي النقطة التي كانت تنقصكم لتفهموا الجزء الفلاني في ال material). الكلية كلها كانت تعرف أن أحداً من الطلبة لا يفهم شيئاً في هذه المادة ولا أحد يبالي.

هذه لمحة بسيطة لمهزلة صغيرة من مهازل هندسة عين شمس و ما أكثرها، هؤلاء القوم لا يتركون رذيلة من رذائل التعليم إلا و مارسوها و كأنهم يجمعون collection. حاولت أن أشتري مرجع أجنبي و بدأت أفهم منه لكن وجدت أن أمامي سكة سفر و الترم ثلاث شهور فقط بعده إمتحان فدخلت الإمتحان و أنا أحفظ المسائل بحلولها بالأرقام و كان تقديري جيد جداً و أنا لا أفقه حرفاً مما كتبت.

لكن ما يهمني هنا أن أثناء دراسة ميكانيكا الكم كانت هناك أشياء غير منطقية، بغض النظر عن ما ينقصنا من معلومات في الفيزياء و الرياضيات، هناك أشياء لا تنبطق عليها قواعد المنطق الطبيعي الذي يعمل في دماغ البشر العاديين. عندما كنا نسأل دكتور المادة عن نقطة من هذه النقاط غير المنطقية كان يرد بإنشكاح مريب (دي سهلة خالص) ثم يكرر نفس الكلام غير المفهوم. بعض الطلبة كانوا يأخذون هذا علي أنها علامة علي عبقريته و كانت لي علامة علي بلاهتهم هم.

حين كبرت و قرأت في الموضوع عرفت أن أحداً لا يفهم ميكانيكا الكم بما فيهم فاينمان لأنها تنافي العقل البشري. و حين رأيت فيديو لأستاذ في جامعة أمريكية يبدأ العام الدراسي مع الطلبة بقوله (أنا لا أفهم ميكانيكا الكم، فاينمان لم يكن يفهم ميكانيكا الكم، و الآن جاء دوركم لكي لا تفهموها مثلي و تخرجوا للناس و تنشروا جهلكم)، عندما سمعت هذه المقدمة العبقرية شعرت بأن مقدمة بسيطة كهذه كانت ستوفر علي ساعات طويلة من محاولة الفهم و البحث في مصادر خارجية و الحيرة، الخ.

أنا ضعيف أمام حدود العقل البشري، و المشاكل الحسابية مثل التي تكلمت عنها في الحلقة وفي هذا المقال هي مشاكل تخبرك أنه (لا جدوي من هذا الطريق). الرياضيات هي العلم الوحيد الذي يمكنه أن يخبرك أنه (لا فائدة)، شيء مثل قانون عدم اليقين الذي يقول أنه من المستحيل معرفة سرعة الإلكترون و موقعه في الوقت نفسه، لا يقول أننا ليس لدينا معلومات، بل يقول مستحيل، لا تحاول، لن يستطع أحد في المستقبل أن يحسبها و إليك الدليل علي هذا. لا يوجد أي فرع من فروع العلم يخبرك بأننا لا نعرف و لن نعرف في المستقبل سوي الرياضيات و ما تلمسه من علوم أخري.

في الكمبيوتر هناك نظرية أو قانون شديد الشهرة إسمه مشكلة التوقف halting problem أو printing problem. القانون يقول أنه من المستحيل أن تعطي الكمبيوتر برنامج و تطلب منه بدون أن ينفذه أن يخبرك ماذا سيحدث. متي سيتوقف البرنامج؟ هل سيتوقف أصلاً أم يظل ينفذ دوائر لا نهائية من التعليمات؟ هل سيكتب علي الشاشة كلمة معينة؟

هذا القانون جاء بإثبات رياضي، إن أردت أن تكسر هذا القانون و تكتب برنامج كمبيوتر يتمكن الكمبيوتر من فهمه بدون تنفيذه فعليك بآلة آخري غير الكمبيوتر !

هذا القانون هو أساس من أسس شعوري ببلاهة كل من يتكلم عن أن الذكاء الصناعي سيحل محل المبرمجين. الذكاء الصناعي لا يمكنه أن يعرف ماذا سينتج عن الكود المكتوب أصلاً حتي الكود الذي كتبه الذكاء الصناعي! إن لم يعمل الكود بالشكل المتوقع فلا تتوقع أن يتمكن الذكاء الصناعي من مراجعة الكود و مقارنة سلوك الكود بالسلوك المتوقع، لابد من تنفيذ البرنامج خطوة خطوة حتي إن إستغرق الأمر سنين أو كانت المشكلة في الكود تظهر في ظرف بعينه عليك أن تنتظر حدوث هذا الظرف.

أحد صفات العلم، أحد الأشياء التي تجعل العلم علم، هو أنه يتميز بالإختصار reducibility، إن أرسلنا مركبة فضاء للمريخ فلدينا معادلات تحسب السرعة و المسار و تخبرنا أنه بعد عشر سنوات ستصل المركبة للمريخ، نحن لا نحتاج أن ننفذ ثانية وراء الأخري و ننتظر لعشر سنوات لنعرف ما سيحدث.

العلم الذي لا تنبطق عليه هذه الصفة هو البرمجة، البرمجة تتميز بال computational irrudicibility. لابد من تنفيذ الكود سطر سطر و خطوة خطوة لتعرف ماذا سيحدث.

أثبت ستيفن ولفرام صفة عدم القابلة للإختصار لل complex systems، و من هنا أثبت أن إستخدام الرياضيات التقليدية، اللي تتميز بالقابلية للإختصار غير مناسب من الأصل لهذه النظم ، و بالتالي هذه النظم لا يمكن حلها إلا بنظام irreducible مثل محاكاة الكمبيوتر، كود يحاول أن يحاكي الطبيعة و ينفذ كل الخطوات لكن بسرعة شديدة حيث تستغرق كل خطوة أجزاء بسيطة من الثانية.

تذكر مثال الأجسام الثلاثة التي نحلها اليوم ب numberical analaysis و التي يعتبرها البعض رياضيات و يعتبرها البعض محاكاة كمبيوتر. هذا مثال قديم علي complex system لا يمكن أن تستخدم فيه الرياضيات التقليدية القائمة علي الدوال و نستخدم فيه محاكاة الكمبيوتر.

يعشق البشر البحث عن نظام لفهم الأمور أو ما يعطي إيهاماً بفهم الأمور. يعشق البشر وضع الحياة في قوالب مفهومة محددة لها رأس و قدم لكن الحياة فعلياً ليست كذلك. لو قمت بتجربة و أعطيت الناس الجملتين التاليتين:

  1. كان فلان يحب زوجته لكنه قتلها.
  2. كان فلان يحب زوجته لكنه قتلها لكي يرثها.

ثم طلبت من الناس أن يعطوا تقييماً لإحتمالية وقوع كل منهما في الحقيقة سيعطي الناس الجملة الثانية إحتمالية أكبر، بالرغم من أنه إحصائياً الجملة الأولي تشمل الجملة الثانية و تزيد عليها، بمعني أن الجملة الأولي تشمل إحتمال أن يقتل المرء زوجته لكي يرثها بالإضافة لإحتمال لأنه ضجر من ثرثرتها و إحتمال أنه مجنون سادي، الخ. لكن الناس تفضل الجملة الثانية و تراها أقرب للواقع فقط لأنها تحمل تفسيراً، سليماً كان أم خاطئاً لا أحد يبالي.

لا يمكن للناس تقبل الحوادث النادرة و تقبل فكرة توقع كارثة ضخمة لأنهم لا يعرفون السبب، الناس تعشق الأسباب حتي و إن كانت خاطئة. عندما تم القبض علي صدام حسين إرتفع سعر سندات الخزانة الأمريكية، عندها في الساعة الواحدة و دقيقة خرجت بلومبرج بعنوان يقول “إرتفاع سندات الخزانة، القبض علي صدام حسين قد لا يوقف الإرهاب”. في الساعة الواحدة و واحد و ثلاثين دقيقة، أي بعد نصف ساعة فقط، إنخفضت سندات الخزانة و خرجت بلومبيرج بعنوان" القبض علي صدام حسين يزيد من جاذبية الأصول ذات المخاطرة العالية" - الأصول ذات المخاطرة العالية هي عكس السندات التي توصف بأنها أصول ذات مخاطرة قليلة. في خلال نصف ساعة فقط صار القبض علي صدام حسين يستخدم لتبرير إرتفاع و إنخفاض سندات الخزانة، نفس الحدث يبرر نتيجة و عكسها من أشهر مجلة إقتصادية في العالم. لا أحد يعرف لماذا إرتفعت سندات الخزانة و لماذا إنخفضت، لكن أحداً لن يقبل أن يقول أننا لا نعرف، لابد من تفسير حتي و إن كان خاطئاً، الناس ضعفاء أمام أي أحمق واثق من نفسه يقدم أي تفسير و يزدرون الشخص الذي يقول (لا أعرف).

من هنا ستجد هوس الناس بالأفلاطونية: وضع الحياة و الأحداث في قوالب جاهزة تحكمها قواعد ثابتة. كان أفلاطون مهووس بالهندسة و الأشكال الهندسية علي أساس أنها الإطار الذي أضاف الله به للكون نظام، من هنا جاء وصف الأفلاطونية لمحاولة قولبة الحياة في قوالب منطقية محكمة المنطق. أفلاطون لم يكن إستثناءاً وسط العلماء بل كان القاعدة. جاليليو مثلاً قال: “إن كتاب الطبيعة العظيم مفتوح أمام أعيننا و فيه كتبت الفلسفة الحقة. لكننا لا نستطيع أن نفهمه ما لم نعرف اللغة و الحروف التي كتب بها، و اللغة التي كتب بها هي الرياضيات و الحروف التي كتب بها هي المثلثات و الدوائر و الأشكال الهندسية الأخري”.

الهندسة شيء يحكم صنع البشر و ليس صنع الطبيعة، الهندسة تحكم المبني الذي يبينه البشر لكن هل رأيت في حياتك شجرة تتكون من مربعات و دوائر؟

ما ينطبق علي الشجرة ينطبق علي الكثير من الأشياء في الطبيعة كما رأينا، عندما تحاول أن تفهم حركة الكواكب مثلاً في مشكلة الأجسام الثلاثة فأنت لا تستخدم الرياضيات بل تستخدم محاكاة الكمبيوتر. المعادلات الرياضية الأفلاطونية تفقد تأثيرها حين تبدأ تستخدمها في دراسة الطبيعة و ليس في صنع منتج بشري.

عالم الرياضيات الإنجليزي جيودفري هاردي له إنجازات رياضية و معادلات و نظريات عديدة تحمل إسمه إلا أن شهرته وسط الناس سببها كتاب إسمه (إعتذار عالم رياضيات A mathematican’s Apology)، كان هذا الكتاب علي قائمة الكتب التي أنوي قرائتها و للصدفة وجدت أن نسيم نيكولاس طالب إستشهد بعبارة فيه يقول فيها هاردي: “الرياضيات الحقيقية التي أنتجها علماء رياضيات حقيقيين، رياضيات فيرمات و إيلر و جاوس و أبل و راينمان، كلها تقريباً عديمة الجدوي”. العبارة شديدة التطرف بالطبع لكنها إشارة لأنه في أرض الواقع تبتعد الحياة عن الرياضيات البحته الأفلاطونية لأن الطبيعة لا تتبع هذه الرياضيات. كان هاردي وقت كتابة هذا الكتاب يؤمن بدراسة الرياضيات فقط لدراسة الرياضيات، بغض النظر عن الفائدة منها، شيء يشبه كلمة أوسكار وايلد عن الفن للفن. الفكرة متطرفة بالطبع لأن الرياضيات هي الأساس الذي قامت عليه حياتنا اليوم، لكن الفكرة لها جانب وجيه لا يمكن إغفاله بالكلية في أن الطبيعة ليست أفلاطونية في قوالب محددة، البشر يحبون القوالب و القواعد لأنها تعطيهم شيء من الشعور بالسيطرة و التحكم في حياتهم و قلة من الناس من يستطيعون تقبل فكرة أننا لا نعرف أو أن ما لدينا من علم غير كافي أو أن الحياة لا تخضع لهذه القوالب مثلما تخضع لها المباني و الآلات التي صنعها الإنسان.

الوهم الذي يتبعه الناس في محاولة الشعور بأنهم يفهمون ما يحدث و لديهم سيطرة علي الأمور هي ما يؤدي لتفاقم حوادث البجعة السوداء. يتكلم نسيم طالب عن البجعة الرمادية: البجعة السوداء التي نتوقع حدوثها بشكل ما، لا نعرف كيف ستحدث لكننا متفتحين عقلياً لفكرة أنها ستحدث و بشكل ما مستعدين للأسوأ، لكن من المستحيل أن تكون في هذه الحالة من التفكير و التخطيط و أنت تعيش وهم أنك تفهم ما يحدث و أن الحياة أفلاطونية تقع في قوالب و أشكال هندسية محددة و تدور تحت سيطرة معادلاتك و قوانين الرياضيات و الفيزياء التي تعرفها.

لا يمكن للإنسان أن يتعامل مع حوادث البجعة السوداء إلا بالإقرار بعجزه. ما ذكرته في الحلقة و في هذا المقال هو مجرد إستدلال شبه علمي علي نقطة فلسفية قديمة قدم الدهر: الإنسان ضعيف، لكن الإنسان لا يرضي إلا بما يوهمه أنه يتحكم في الأمور و يفهم ما يدور حوله.

و كالعادة نفس النقاط التي أستخدمتها أنا إستخدمها آخرون لإثبات العكس تماماً، إثبات أنه لا يوجد إله و أن الإنسان وضع قدمه علي أول طريق فهم ما كان يعزي قديماً للآلهة.

في النهاية يظل الإيمان إيماناً بالغيب، و قضي الله أن لا تكون هناك آية ولا حجة في هذه الدنيا تخضع كل الناس للإيمان و يظل الهدي هدي الله في النهاية، نسأل الله الهدي من عنده.

إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ