دور الشباب في النهضة

في موضوع علي شبكة روايات طرح أحد الأعضاء تساؤل عن ما يجب علي الشباب فعله في هذا الزمن من أجل نهضة العرب. بدأت في كتابة رد فوجدت أن الرد يمكن أن يكون موضوعاً مستقالاً لذا أنشره هنا.

بالطبع هناك العديد من الكتب و المقالات و المحاضرات التي ألقيت عن الموضوع. أنا لا أدعي أني أقدم حلا سحرياً لمشكلة نهضة المسلمين لأن هذا الأمر لا يناقش بالكامل في مقال واحد و ليس من قدرتي أن أقوم بهذا، و لكني فقط أنقل ما يدور بخاطري حين أفكر في هذا الموضوع. يمكنك عزيزي القاريء أن تعتبر هذا الموضوع نوع من التفكير بصوت عال.

الشباب

بداية أنا مقتنع أن النهضة ستكون علي يد الشباب وليس الكبار. من الصعب أن تغير تفكير شخص بعد أن بلغ من العمر أربعين أو خمسين عاماً، شخص نشأ في مجتمعاتنا المليئة بالأفكار الخاطئة و التدين المغلوط و النفاق الإجتماعي لا تطلب منه بعد أن يبلغ الأربعين أو الخمسين من العمر أن يلقي بكل هذا و يصبح شخصاً جديداً.

الفكرة قريبة إلي حد كبير بالتيه الذي تاه فيه بني إسرائيل لمدة أربعين عاماً حتي مات الكبار الذين تربوا علي الذل علي يد فرعون و كبر الشباب الذين لم يصبهم ذلك الوهن النفسي الذي حطم أباؤهم ثم تولوا القيادة.

لا أعني بهذا أن شباب هذا الجيل ممتازون و أن النهضة قادمة علي أيديهم، فقط أنا أقول أنه إن حدثت نهضة فإنها ستكون علي يد الشباب وليس الكبار.

و لكن هذا لا يعني أن الشباب يلام بنسبة مائة بالمائة إن لم تقم النهضة علي أيديهم. هذه ليست دعوة للتخاذل و لكنها دعوة إلي الإتزان في التفكير، فالتركة التي ورثها الشباب عن أباؤهم ثقيلة، تركة فكرية من العادات و الأفكار المدمرة، تركة إقتصادية و عسكرية و سياسية و تركة دينية بها الكثير من الأفكار المغلوطة. علي حد تعبير د. أحمد خالد توفيق “نحن ملاحون خائبون غرقت سفينتهم أو كادت .. وعلينا أن نترك قطعة خشب واحدة طافية ليتمسك بها من يأتون بعدنا”. بالرغم من أني مقتنع بأن د. أحمد خالد توفيق هو أحد القلة من جيل الكبار الذين ساهموا بشكل لا بأس به في تكوين أفكار الشباب الذي قد يحقق شيئاً يوماً ما، إلا أن قلة قليلة من الكبار هم من يمتلكون شجاعة الإعتراف بأن لجيلهم دوراً في التركة التي يحملها الشباب.

العصر الذي نعيش فيه

يعتبر العصر الذي نعيشه الآن هو أسوأ العصور في التاريخ الإسلامي. في كل أوقات الإنحدار الإسلامي كان الإنحدار في منطقة دون غيرها. إن إنحدرت الدولة العباسية و ضعفت فإن المسلمين في الأندلس كانوا أقوياء. إن ضعف المسلمون في الأندلس فإن المسلمون في مصر و الشام كانوا أقوياء و هكذا.

و لكن هذا هو العصر الوحيد في التاريخ الإسلامي الذي ينحدر فيه المسلمون في كل الأقطار. في كل أنحاء العالم بلا إستثناء يعاني المسلمون من التخلف الحضاري و العسكري و الديني.

بالإضافة لهذا، فإن هذا العصر يتميز بعدد من المشكلات التي لم تكن موجودة في العصور السابقة أو علي الأقل لم تكن موجودة بنفس الحدة و الإنتشار، هذه بعضها:

  1. الفهم المغلوط للإسلام من قبل المسلمين. في الماضي كان المسلمين علي علم بدينهم بدرجة أكبر بكثير من الوضع الآن . لا أعني بهذا أن هذه المشكلة لم تكن موجودة، فالخوارج مثلاً ظهروا منذ قديم الزمن، و لكني أعني أنها لم تكن بمثل هذه الحدة و الإنتشار في الماضي. الآن يمكنك أن تجد الكثير من المسلمين لا يعرفون شيئاً عن مبدأ الحاكمية لله مثلاً، بالرغم من أن هذا المبدأ هو أحد الأمور التي قد تحدد أو تنفي إنتساب المرء للإسلام. هذا يعقد الأمور و يقود إلي أشياء مثل جماعات التكفير التي تكفر المجتمع ككل، علي الرغم من أن موضوع التكفير له الكثير من الضوابط علي رأسها معرفة المرء السليمة بالفكرة ككل، و لكن كما قال د. جلال أمين فإنه عندما تتعقد الأمور يميل معظم الناس للتعامل معها بسطحية.

  2. الفهم المغلوط للإسلام من قبل غير المسلمين. في الماضي كان غير المسلمين علي علم بالإسلام بدرجة كبيرة، أو كانوا يجهلون الإسلام و من ثم يستمعون إليه من المسلمين بدون أفكار مسبقة، و بالتالي كان يمكنك بسهولة أن تصنف المحاربين منهم علي أنهم أعداء، أما اليوم فإنك تجد في الغرب من يعتقد بأفكار غريبة يظن أنها الإسلام. علي سبيل المثال أخبر أحد الأمريكيين أحد أصدقاء أخي أن المسلمين يقتلون الناس (كل الناس بدون تصنيف) لأن المسلم الذي يقوم بالقتل يدخل الجنة و يتزوج من ست نساء ( لا تسألني عن السبب في تحديد الرقم بستة!). بالطبع نفي صديق أخي هذا تماماً إلا أن الأمريكي لم يقتنع. مرة أخري هذا تعقيد للأمور، فهذا الأمريكي و من هم مثله لديهم أفكار جاهزة عن الإسلام تكونت لديهم علي مدي سنوات بسبب الإعلام و المجتمع الذي يعيشون فيه و بالتالي من الصعب أن تقنعهم بالعكس و يصير من الصعب عليك أن تصنفه علي أنه عدو بضمير مستريح تماماً. لو أضفت لهذا حقيقة أن هناك من الغربيين من يفهمون الإسلام جيداً (مثل المستشرقين و الدارسين السياسيين و الإجتماعيين) تجد أن لديك مشكلة جديدة هي الفصل بين من يعلمون و من لا يعلمون. مرة أخري حين تتقعد الأمور يتعامل معها الناس بسطحية و تجد لديك من ينظر للغربيين كلهم علي أنهم (كفرة ولاد كلب و مصيرهم جميعاً إلي النار بإذن الله).

  3. أزمة الثقة بالنفس هي أحد الكوارث التي حطت بالمسلمين الآن. لنبدأ الحديث عن هذه النقطة بسؤال بسيط : ما الذي يجب عليك أن تفعله إن أخطأ إبنك؟ التصرف الذي يبادر إلي ذهن الكثيرين هو العقاب (بالضرب البسيط أو الحرمان من المصروف الشخصي أو النزهة الأسبوعية، الخ) و التوبيخ. التوبيخ عادة ما يكون بعبارات من نوعية أنت “أنت طفل سيء لأنك فعلت كذا و كذا”، الخ.

    لخبراء التربية رأي آخر.

    إن أخطأ طفلك فعاقبه و قل له " أنا أعاقبك لأن طفل جيد" ! الفكرة هنا أن تغرس في ذهن إبنك أنه طفل جيد، و أن هذا السلوك الذي قام به هو سلوك الأطفال السيئين، ولهذا أنا أعاقبك. الهدف هو تنمية ثقة الطفل بنفسة و إحترامه لذاته. يجب أن يظل في فكره دائماً أنه طفل جيد و أنه حتي إن أخطأ فهو ليس طفلاً سيئاً، بل إرتكب فقط فعل من أفعال الأطفال السيئين، و هذا يدفعه إلي أن يحسن بنفسه من سلوكه و تصرفاته، لأن من كوارث التربية عموماً أن يصنف المرء نفسه علي أنه في مرتبة دنيا. عندها لا يترفع عن الكثير من السلوكيات الخاطئة ولا تصير لديه الرغبة في أن يحسن من نفسه علي أي صعيد.

    علي مستوي التربية القرآنية نجد أن القرآن الكريم ذكر أن في أكثر من موضع أن الإنسان مكرم من الله سبحانه و تعالي، و هي نقطة مهمة تساعد علي أن يرتفع الإنسان بنفسه عن الدنايا.

    مصادر الثقة بالنفس في القرآن الكريم أساساً هي تكريم الله سبحانه و تعالي للإنسان “و لقد كرمنا بني آدم”، و رفعة الإنسان بإيمانه بالله سبحانه و تعالي “ولا تهنوا ولا تحزنوا و أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين”.

    للاسف تعاني مجتمعاتنا العربية من أزمة رهيبة في الثقة بالنفس بسبب المصادر التي يستمد المرء منها ثقته بنفسه. في مجتمعاتنا العربية يستمد المرء ثقته بنفسه من شهادته التي يحملها (فكر في الولع بكليات القمة لمجرد أن يحمل المرء لقب مهندس أو دكتور) أو من كل ما له علاقة بالغرب مثل الموضة و الرطانة بالإنجليزية بداعي و بدون داعي أو يستمد المرء ثقته بنفسه من أي مصدر غير منطقي آخر. هذه المشكلة لم تكن موجودة في تاريخ المسلمين حتي في فترات إنحدارهم. في الكتابات التاريخية التي كتبت في عصور إحتلال القدس و الشام علي يد الصليبيين، نجد ان المؤرخين العرب يتعجبون من أن الرجل من الصليبيين يسير مع زوجته فيقابل صديقه فيقبل صديقه زوجته أمامه بدون أن يعترض. كان هذا السلوك مستهجناً للغاية من قبل المسلمين علي الرغم من إنهزامهم المؤقت أمام الصليبيين، إلا أنهم كانوا مهزومين عسكرياً و ليس نفسياً مما ساعدهم فيما بعد علي النهوض من كبوتهم. للأسف الوضع الآن ليس كذلك.

  4. التقدم العلمي جعل الإفساد الآن صار شيئاً مخططاً له و ليس شيء يتم كيفما أتفق. مثالاً من يقرأ المقالات التي كتبت عن سيكولوجية المجلات و الأفلام الإباحية يدرك أنها شيء مبني علي كم لا بأس به من العلم، علم بالنفس البشرية و دوافعها و ما يروق لها و ما تتمناه، و كيفية إشباع هذه الأمنيات بأفلام مخططة و منفذة بشكل يضمن إدمان مشاهدها لها، دعك بالطبع من كم الأفكار الخاطئة و المريضة التي تغرسها هذه المجلات و الأفلام في عقلية مشاهديها. من الحقائق الغريبة أن إدمان مشاهدة الأفلام و الصور الإباحية مصنف علي أنه أكثر شدة من إدمان السجائر! هي أشياء لها استديوهات و مخرجين و شركات متخصصة بل و جوائز لأحسن الأفلام و المخرجين و الممثلين (مثل الأوسكار)، و ليست أفلام و صور يتم إلتقاطها كيفما أتفق.نفس الشيء يمكن أن يقال علي السياسة و الواقع العسكري و الإقتصادي للمسلمين. الدراسات التي تتم في الغرب لكيفية إدارة السياسة الخارجية بناء علي العادات الإجتماعية و الفكرية الخاطئة للحكام العرب (راجع فكرة الخيمة و السوق في هذا المقال ) و الشعوب العربية عموماً و كيفية إستغلال المشاكل الإجتماعية و النفسية لدي هذه الشعوب لإستغلالها إقتصادياً و سياسياً لم تكن موجودة في العصور القديمة التي كان أقصي ما فيها إغراء الحاكم أو ذوي المناصب بأشياء معتادة مثل المال و النساء.

ما الذي يجب عليّ أن أفعله؟

كما قلت من قبل أنا لا أستطيع أن أقدم خطة شاملة للنهضة، فقط أنا أفكر بصوت عال في دور كل شاب يهتم بأمر هذه الأمة. لا يجب عليك أن تنهض بالأمة بل أن يكون لك دور ولو بسيط في هذه النهضة، لأن النهضة لن تقوم علي شخص واحد. إن لم تحدث نهضة في جيلك فعلي الأقل تقابل الله سبحانه و تعالي و قد بذلت ما في إستطاعتك.

  1. يقول ستيفن كوفي في كتاب (العادات السبع للناس الأكثر فاعلية) أن الرفض أكثر صعوبة من القبول و لهذا يملك الناجحون عادة قدرة علي قول كلمة لا ليرفضوا ما يتعارض مع خطتهم للحياة أو حتي ما يتعارض مع جدول أعمالهم ليوم من الأيام دون أن يسمحوا لتيار الحياة و المجتمع أن يجرفهم معه. بداية عليك أن ترفض شيئاً ما و لو كان بسيطاً. عليك أن ترفض عادة أو أسلوب تفكير خاطيء (و ما أكثرهم في مجتمعنا) و تعلن رفضك له لتكون مثالاً لغيرك. عليك أن ترفض فكرة متخلفة مثل كليات القمة، ترفض معايير إختيار الزوجة التي تهمل عقلية المرأة، ترفض إستغلال سلطتك لإملاء رأيك علي زوجتك و أولادك أو علي مرؤسيك في العمل من منطلق أنك علي صواب مطلق، الخ.
  2. حاول أن تكون مثالاً يحتذي لغيرك في أي مجال من مجالات الحياة (عملك، حياتك الأسرية، الخ). لا أعني أن كل الناس تستطيع أن تحقق من النجاح ما يسمح لها بأن تكون قدوة لغيرها و لكني فقط أدعوك أن تحاول، لأن من عادات البشر أنهم لا يقتنعون بأي فكرة بدون قدوة تعرض هذه الفكرة. لن يقتنع أحد بالإسلام إلا إن رأي نموذجاً ناجحاً قائم علي أسس إسلامية. الأسلوب الأمثل للتفكير هو الفصل بين الدين و المتدين، إن رأيت بوذياً يسرق فلا تقل لي إن البوذية تحض علي السرقة، و لكن قليل من الناس من يفكر بهذه الطريقة. علي سبيل المثال حين قامت شركة بلاك ووتر للمرتزقة بعمليات قتل المدنيين العزل في العراق قامت مواقع الملحدين الأمريكيين لتقول إنظروا إلي ما يفعله المسيحيون (نظراً لأن مالكي الشركة من المسيحيين). بالطبع المسيحية لا تأمر بقتل العزل و لكن الربط بين الدين و المتدين خطأ بشري مألوف و ليس شيئاً خاصاً بالنظرة للإسلام دون غيره من الأديان.
  3. حاول أن تربي من تقوم النهضة علي يديه. التربية هي أحد أعقد الأشياء في زماننا هذا، مع ما يحيط بالمرء من إعلام مغرض و مجتمع به الكثير من العادات و الأفكار السيئة تصير تربية طفل صغير “عملاً ملحمياً جدير بالأساطير الإغريقية” علي حد تعبير د. أحمد خالد توفيق، إلا أن هذا لا ينفي أن يحاول المرء أن ينشأ إبنه علي مباديء و عادات تسمح له في يوم من الأيام بأن يكون أحد الذين تقوم النهضة علي أيديهم بإذن الله.