تأثير الإعلام - 3

التليفزيون

الرسالة التي يستطيع التليفزيون أن ينقلها

يعتمد التليفزيون في المقام الأول علي الصورة في نقل الأفكار و المعلومات. بعكس الصورة، الكلمات يمكنها أن تحمل فرضية، تساؤل،  أو إقتراح. يمكنك أن تقول أنك تختلف مع عبارة معينة، و لكن لا يمكن لأحدهم أن يختلف مع صورة أو يقول أنه يتفق معها جزئياً. الصورة يمكنها فقط أن تثير المشاعر، يمكنك أن تعجب بمشهد طبيعي، تحزن لصورة شخص قتل في حرب، تتحمس لرؤية صورة لعلم بلادك، و لكن لا يمكنك أن تقول أن هذه الصورة خاطئة.

لهذا حين يقتل الفلسطينيون أو اللبنانيون جندياً إسرائيلياً و يستعرض الإعلام الأمريكي صورة هذا الجندي في حفلة تخرجه أو صورة يظهر فيها شبابه و صغر سنه وسط أسرته أو و هو يلهو وسط أصدقاؤه فإنك لا تستطيع أن تكذب هذه الصور لأنها بالفعل صور لهذا الجندي. الصورة لم تتحدث عن ما فعله هذا الجندي أو حاول أن يفعله بالعرب ولا عن خلفيات الصراع العربي الإسرائيلي، هي فقط تثير مشاعر الجمهور الأمريكي في إتجاه معين. الصور لم تتحدث عن الدور الأمريكي في الشرق الأوسط أو حصار غزة، هي فقط تستعرض شباب هذا الجندي الذي فقده علي يد العرب.

في عام 1981 تم تعيين كريستين كرافت كمذيعة أخبار في قناة KMBC-TV الأمريكية.بعدها بثمان شهور قدمت مجموعة إستطلاع رأي تابعة للقناة تقريراً قالت فيه إن كريستين كبيرة في السن، غير جذابة و لا تروق للرجال. هنا قامت القناة بتحويلها من مذيعة إلي مراسلة لأنها (تعيق تقبل المشاهد Hampered viewer’s acceptance) علي حد تعبير القناة. ما علاقة شكل المذيعة بتقبل المشاهد للخبر؟ و لكن في وسيلة إعلام تخاطب المشاعر من خلال الصورة تصير لصورة المذيعة أهمية أعلي من أهمية محتوي الخبر الذي تنقله، أو لأن المشاهد الذي لعب التليفزيون دوراً أساسياً في تشكيل عقله و تفكيره علي مدي سنوات، تؤثر فيه صورة المذيعة و لا يؤثر فيه المحتوي التافه للخبر أو التحليل الرديء له.

من المعتاد عند رؤية الأخبار أن تري عند زيارة رئيس لدولة أجنبية، فيلم يظهر الرئيس ينزل من الطائرة و يستقبله وفد من الدولة المضيفة عند نزوله، أو أن تري مشهد نزول رئيس من طائرة مروحية (عندما ينتقل إلي قاعدة عسكرية مثلاً). ما أهمية هذا المشهد؟ بالتأكيد حين يزور الرئيس دولة أخري فإنه لن يسافر بالسيارة مثلاً و بالتالي فإن مشهد نزوله من الطائرة لا معني له ولا قيمة، و علي الرغم من هذا فإن كل قنوات الأخبار تنقل مثل هذه النوعية من المشاهد لأن التليفزيون لا يركز علي المحتوي العقلي أو الإخباري بقدر ما يركز علي الصورة، لهذا يقول الإعلاميون إن الفيلم يبرر نفسه. حين يكون لديك فيلم يظهر مشهداً ما فإنك لا تحتاج لمبرر لتعرض هذا المشهد، الفيلم يبرر نفسه لأنه يستخدم في وسيلة إعلام تبحث عن الصورة أكثر من بحثها عن المعلومة أو الفكرة.

من ضمن السلبيات الرئيسية للتليفزيون أن المشاهد يجلس ليتلقي ما يلقي إليه. إن كنت مهتماً بآخر الأحداث في الشرق الأوسط فلا يمكنك أن تري الأخبار و التحليلات المتعلقة بالشرق الأوسط وقتما يروق لك، بل أنت تفتح التليفزيون و تأمل أن تأتي أخبار و برامج تناقش ما يثير إهتمامك، و لكن إن كنت تعتمد علي الكتب في إستقاء معلوماتك و أفكارك فأنت تنزل إلي المكتبة و تشتري ما يروق لك من الكتب التي تناقش الموضوع الذي يهمك، بمعني آخر أنت الذي يحدد ما هو الهام و ما هو التافه، بعكس التليفزيون الذي يحدد ما هو الهام و ما ليس هاماً لدي المشاهد. إن فتحت القنوات التليفزيونية ووجدتها كلها تتحدث عن أخبار محاكمة باريس هيلتون بتهمة قيادة السيارة و هي تحت تأثير الخمر يتكون لديك شعور بأن هذا خبر هام، و العكس صحيح أيضاً، مثلاً  حين تم تسريب وثائق تتعلق بالفساد من بنك أمريكا، أكبر البنوك الأمريكية من حيث المكانة الإقتصادية، لم يتم إذاعة الخبر في CNN،ABCNews،MSNBC أو CBSNews. هل خبر مثل هذا ليس مهماً لتتغاضي أكبر القنوات الإخبارية الأمريكية عن نشره و تنشر في نفس الوقت خبراً مثل (طفل يجلب معه كوكايين للمدرسة الإبتدائية)؟

في بداية الموضوع قلنا أن كل وسيلة إعلام مناسبة لنقل رسالة فكرية أو شعورية بكفائة أعلي من غيرها، و لكن التليفزيون يتميز بنقطة إضافية  هي أنه يحدد ما هي الرسالة الهامة من الأصل بغض النظر عن القدرة علي نقل هذه الرسالة أم لا.

غياب السياق

يتميز التليفزيون بأنه يلقي للمرء الكثير من المعلومات و الأخبار غير المترابطة، أو ينقلها بدون أن يعطيها القدر الكافي من التحليل الذي يربطها بغيرها من الأخبار و الحقائق و يضعها في سياق قضية أو فكرة معينة.

الأمر لم يبدأ بالتليفزيون بل بدأ منذ إختراع التليغراف. عندما إخترع مورس التليغراف أراد الأمريكيون أن يقيموا خط للتليغراف بين ولايتي ماين و بوسطن، و خط بين أمريكا و أوروبا عبر المحيط، فعلق الفيلسوف و المفكر الإجتماعي الأمريكي ديفيد ثورو علي الموضوع قائلاً:” نحن الآن في عجلة شديدة من أجل إنشاء خط تلغراف بين ماين و تكساس، و لكن ماين و تكساس ليس لديهم شيء هام ليتحدثوا بشأنه. نحن الآن متحمسين للحفر تحت المحيط الأطلنطي لنقرب بين العالم القديم و الجديد و لكن ربما يكون أول خبر تسمعه الأذن الأمريكية هو أن الأميرة أديلايد (إحدي أميرات إنجلترا في هذا الوقت) أصيبت بالسعال”.

كان ثورو محقاً في أن التلغراف لن يستخدم فقط في نقل الأخبار الهامة، بل سيستخدمه الناس علي أساس أنه من الضروري أن ننقل أي خبر من أوروبا إلي أمريكا أو أي خبر بين الولايات الأمريكية المختلفة، ايا ما كانت أهمية هذا الخبر، و بدون التفكير فيما إذا كان هذا الخبر يستحق أن ينقل و ينشر في الجرائد من الأساس.

أول جريدة أمريكية صدرت في بوسطن كان إسمها (الأحداث العامة، خارجية و محلية) و كتب في بدايتها أنها جريدة تصدر مرة واحدة شهرياً ما لم تستجد أحداث تستوجب أن تنشر من أجلها الجريدة أكثر من مرة شهرياً.الآن بعد التلغراف إنتشرت موجة من الاخبار الغير الهامة، التي لا يربطها سياق ثابت محدد و الخالية من أي تحليل عميق للأحداث، و ظهر الإرتباط العميق بين التلغراف و الصحف. أول رئيس لشركة التلغراف كان صاحب جريدة (صحيفة فيلاديلفيا العامة). جيمس بينيت، صاحب جريدة (نيويورك هيرالد) كتب في عام 1848 يقول في فخر أن جريدته تحتوي 79 الف كلمة من الأخبار و الأحداث التي نقلت بالتلغراف، بدون أن يتحدث عن مدي أهمية هذه الأخبار للقاريء أو مدي ترابط هذه الأحداث أو السياق الذي يضمها مع بعضها.

غياب السياق و كثرة الأخبار القصيرة الغير الهامة الذي كان في عهد التلغراف تضخم في عهد التليفزيون و صار مصحوباً بالصور و الأفلام التي تصف هذه الأحداث الغير هامة. التليفزيون يشتهر بكلمة “و الآن مع ….”.مثلاً، أنت تشاهد خبراً عن مفاوضات سياسية ثم تأتي المذيعة لتقول “و الآن مع النشرة الإقتصادية”.هذه العبارة تعني أن ما سيأتي الآن ليست له أي علاقة بما سبقه، و هي علامة مميزة في التليفزيون عموماً. طبقاً لإحدي الإحصائيات (التي تتحدث عن التليفزيون الأمريكي غالباً) فإن متوسط الزمن الذي يستغرقه بث خبر هو 45 ثانية، أي أقل من دقيقة. هذا الوقت غير كافي ليتأثر المرء أو يفكر في الخبر أو يشعر بأهميته. حين يتم بث خبر عن مقتل فلسطيني في إسرائيل ثم ينتقل المذيع إلي خبر آخر بعد 45 ثانية، فإن هذا يكون في نفسية المشاهد شعوراً أن هذا خبر موت الفلسطيني ليس بهذه الأهمية.

تأثير الأخبار القصيرة لا يتوقف هنا بل يمتد لما هو أسوأ. في إحدي المرات قرأت خبراً علي موقع قناة الجزيرة عن تحطم طائرة شحن روسية أثناء هبوطها.ما أهمية خبر مثل هذا للمشاهد العربي؟ و السؤال الاهم هو ما الذي يمكن لمشاهد عربي أن يفعله حيال هذا الأمر؟ لا شيء غالباً. يعرف الإعلاميون ما يسمي بنسبة المعلومات إلي الفعل Information to action ratio و هي نسبة المعلومات التي يتلقاها المرء مقابل الأفعال التي يستطيع أن يتخذها حيال هذه المعلومات. حين تكثر الملعومات التي لا يستطيع المشاهد أن يتحرك حيالها تزيد هذه النسبة مما يخلق تعوداً لدي المشاهد أن الخبر لا يعني أن يتحرك المرء من أجله، بالتالي إن تم بث خبر يمكن أن يتحرك المشاهد من أجله ،مثل قرار سياسي لبلده لا يقبله المشاهد، و بالتالي يمكن أن يتظاهر ليعبر عن رفضه لهذا الإتجاه السياسي، إن تم بث مثل هذا الخبر فإن المشاهد لا يتحرك لأنه تعود علي أن الأخبار ليست شيئاً يتحرك المرء حياله، لأنه تعود أن علاقته بالأخبار هي علاقة المشاهدة فقط.

روبرت مكنيل، المحرر و مذيع الأخبار الأمريكي، قال عن الأخبار التي تذاع في التليفزيون:”الفكرة هي أن تجعل كل شيء مختصراً، لا ترهق المشاهد بأشياء تتطلب تركيزاً بل قدم إستثارة و تنبيه مستمر من خلال التنوع، الحركة، الموضوعات الجديدة و الموضوعات المثيرة. لا يجب عليك أن تركز علي أي شخص أو مشكلة أو فكرة لأكثر من ثوان معدودة. المباديء التي تحكم أخبار التليفزيون هي:  الحجم الأصغر هو الأفضل،  يجب أن تبتعد عن التعقيد، التفاصيل و الفوارق الدقيقة يمكن التغاضي عنها، المقدمات و الأسباب المنطقية تمنع تقديم رسالة بسيطة، الإثارة البصرية بديل للأفكار، و الدقة اللفظية ليس مكانها هنا”.بسبب هذا الإنتقاد الشديد للأخبار التقليدية في التليفزيون، قام ماكنيل بالإشتراك مع زميل له بعمل برنامج إخباري حاول فيه تقديم عدد قليل من الأخبار، مع التركيز علي الأخبار الهامة و إعطاء كل خبر حقه من التحليل و الدراسة و قلل الإعتماد علي الصور و الإبهار البصري. و نظراً لخروج ماكنيل عن الشكل المألوف في الإعلام، كان أجره هو و زميله مجتمعين أقل من خمس أجر المذيعين الآخرين ذوي الخط التقليدي في الإعلام الأمريكي.

حكي أحمد رجب أن مصطفي أمين أعطاه مقالاً لأحد الكتاب الكبار ليختصره قبل نشره في أخبار اليوم. بعد نشر المقال ثار الأديب لأن مقاله تم إختصاره فقام مصطفي أمين بإجراء تمثيلية أمامه، قام فيها بإستدعاء أحمد رجب و أخبر الأديب أن هذا هو الشخص المسئول عن هذا الخطأ الشنيع. قام مصطفي أمين بتوبيخ أحمد رجب ثم قال له في النهاية ( إنت مرفود). هنا رق الأديب و حاول أن يهديء من غضب مصطفي أمين لكي لا يتحول الموضوع إلي قطع عيش و لكن مصطفي أمين تمادي في التمثيل و أصر علي رفد أحمد رجب.

بعد إنصراف الأديب و هو آسف لما تطورت إليه الأمور إستدعي مصطفي أمين أحمد رجب و سأله عن الحجم الذي إختصر المقالة له. قال له أحمد رجب أنها كانت عشر ورقات فولوسكاب قام هو بإختصارها إلي سبعة، هنا ثار مصطفي أمين ثورة حقيقية لأن هذه المقالة كان يكفيها أن تختصر إلي خمس ورقات فقط !

كان لمصطفي أمين مبدأ هام هو أن يختصر الصحفي المقال و القصة و الخبر حفاظاً علي وقت القاريء، خاصة في ظل المنافسة العنيفة من وسائل الإعلام الأخري مثل الراديو و التليفزيون التي يمكنها أن تقدم للمستمع أو المشاهد الخبر مختصراً مركزاً. لابد من إحترام وقت القاريء و الإرتقاء لمستوي المنافسة الذي تقدمه وسائل الإعلام الأخري. الأديب الذي كتب المقال كان من العهد الذي كانت فيه المقالات تملأ عدة صفحات في الجريدة و لم يكن ليقتنع برأي مصطفي أمين لذا كان لابد من إجراء تمثيلية رفد أحمد رجب للحفاظ علي مبدأ إحترام وقت القاريء و في نفس الوقت عدم إغضاب الأديب.

إحترام وقت القاريء شيء رائع، و لكن أليس الأفضل أن أضيع وقت القاريء في شيء مفيد فعلاً بدلاً من أن يقضي وقتاً بسيطاً في قراءة موضوعات قصيرة متناثرة لا يربطها رابط؟ لماذا لا تكون الموضوعات طويلة عميقة المحتوي مع تقليل عدد الموضوعات؟ ما الداعي لنشر أخبار الفنانين و أخبار الجريمة بل و الأخبار الدولية التي ليست بدرجة كبيرة من الأهمية.

هناك شيء هام جدير بالملاحظة في هذا الموقف، هو أن الخط الإعلامي القائم علي قصر الأخبار و التركيز علي الصور و عدم إعطاء الأخبار و الأفكار ما تستحقه من التحليل و الربط بين الأخبار المختلفة، هذا الخط الإعلامي الذي بدأ بالتزاوج بين التلغراف و الجرائد زاد بشكل هائل في عهد التليفزيون حتي صار كاتبوا الجرائد يلهثون وراء منافسة التليفزيون في نفس الخط الإعلامي الذي بدأ من عندهم!

و لكن لماذ إزدهر هذا الخط الإعلامي في التليفزيون بالذات؟ هناك عدة عوامل وراء هذا، منها أن مشاهد التليفزيون يتنقل بين القنوات بسرعة، لهذا يحاول الإعلاميون أن يقسموا الوقت أقسام صغيرة كل قسم مدته ثمان دقائق في المتوسط، و كل قسم مستقل عن ما بعده و ما قبله. بهذا لا يكون مطلوباً من المشاهد أن يحمل أي أفكار أو مشاعر بين أقسام الوقت المختلفة و يمكنه بسهولة أن يتنقل بين القنوات التليفزيونية بدون مشكلة.

هناك قنوات تقدم برامج حوارية طويلة مثل قناة الجزيرة، و لكن عدد القنوات التي تتبع هذا النهج الإعلامي مقارنة بمجمل عدد قنوات التليفزيون في العالم يمثل نسبة قليلة للغاية، بعبارة أخري هذه القنوات  تخرج عن الخط الإعلامي العام للتليفزيون في كثير من أنحاء العالم، و علي الرغم من هذا فإن قدرة هذه البرامج الحوارية علي نقل الأفكار أقل بكثير من قدرة الكتاب، لأن أحداً لا يستطيع أن يبث برنامجاً يستمر لمئات الساعات. الكتاب يمكنه أن يخصص نفسه لقضية معينة، يناقشها في مئات الصفحات و القاريء يقرأ الكتاب علي عدة مرات. هذا صعب في التليفزيون، لأن القاريء يستطيع أن يكمل قراءة الكتاب وقتما شاء، و لكن مشاهد التليفزيون ملتزم بموعد محدد يبث فيه البرنامج. لهذا إن تم تقسيم البرنامج إلي حلقات كثيرة فإن فقدان المشاهد لحلقة واحدة يعني أن يفقد السياق و يفقد ترابط الأفكار و المعلومات.

في ضوء ما تكلمنا عنه من قصر المعلومات و عدم ترابطها في الصحف يمكننا أن نفهم إرتباط الكلمات المتقاطعة بالصحف. في الماضي كان المرء يتعلم المعلومات لأنه يحتاجها في حياته و اليوم صارت لديه معلومات لا فائدة منها لهذا إخترع لها شيء يستخدمها فيه. القدرة علي حل الكلمات المتقاطعة لا تعبر عن ثقافة حقيقية، معرفة إسم لاعب أو إسم معركة في التاريخ ليس علامة ثقافة. الثقافة هي معرفة الملعومات و ربطها ببعضها البعض و القدرة علي إستخدامها في الحياة بشكل سليم، و ليس معرفة معلومات متناثرة لا يربطها رابط ببعضها. أحمد خالد توفيق يستخدم عبارة “ثقافة الكلمات المتقاطعة” للتعبير عن الثقافة السطحية التي تعرف المعلومات القصيرة المتناثرة  و لا تضعها في إطار أكبر من الفكر و السلوك. بمعني آخر هو يستخدم العبارة تقريباً و كأنها سبة.

و هكذا أيضاً يمكننا أن ننظر إلي برامج المسابقات مثل “من سيربح المليون” علي أنها النسخة التليفزيونية من الكلمات المتقاطعة. هي برامج لا تقيس ثقافة بالمعني العميق للثقافة بل تتطلب شخصاً لديه كم هائل من المعلومات التي لا يجب أن تكون مترابطة أو أن تكون في ذهنه تصوراً لقضايا أو أفكار معينة.الفارق بين هذه البرامج و بين الكلمات المتقاطعة هي أنها مليئة بالإبهار البصري و السمعي و يقدمها مذيعون متميزون، و متميزون هنا بالمقاييس التلفزيونية، بمعني أنهم يلقون قبولاً كبيراً من الجمهور، لشكلهم أو لأسلوبهم في الكلام و ليس لمعلوماتهم أو لقدرتهم علي نقل محتوي فكري للمشاهد فهذا ليس هدف هذه البرامج، و ليس التلفزيون عموماً أفضل وسيلة لنقل الأفكار.

عدم الجدية

يسهم التليفزيون  بشكل خفي في إعطاء المشاهد شعوراً بعد جدية ما يتم بثه من معلومات. علي سبيل المثال الموسيقي التي يتم بثها قبل و فيها نهاية نشرات الأخبار. حاول عزيزي القاريء أن تتخيل نفسك مكلف بأن تنقل إلي صديق لك خبر هام، خبر يتوقف عليه مصيره أو مستقبله. من السخف أن تذهب إلي صديقك هذا و تقوم بتشغيل موسيقي فخيمة لمدة دقيقة قبل أن تنقل إليه الخبر، و علي الرغم من هذا يقبل الناس أن تسبق نشرة الأخبار موسيقي، نشرة الأخبار هذه قد تنقل أخباراً عن مجاعات، فيضانات، حروب، الخ. كلها أمور هامة و كلها يجب أن تؤخذ بجدية إلا أنها تسبقها موسيقي، مما يعطي المشاهد شعوراً خفياً بعدم الجدية أو عدم أهمية ما سيقال من أخبار.

قبل أن أنتقل إلي النقطة التالية أريد أن أحدث القاريء عن مدي روعة سمن روابي، و كيف أن طعمها يماثل طعم الزبد الفلاحي بالظبط، و قد قامت تحديات بين منتجي سمن روابي و ربات البيوت أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن طعم سمن روابي لا يمكن تفرقته عن طعم الزبد الفلاحي.

ما هذا الذي قلته؟ لابد ان القاريء قد بدأ يظن بعقلي الظنون أو ظن أني أمزح مزحة سخيفة.

لماذا لا يقبل القاريء أن أقطع المقال لأحدثه عن السمن بينما يقبل الناس أن يتم قطع برنامج حواري يناقش قضية هامة لإذاعة فقرة إعلانية عن السمن أو الشيكولاته؟ ربما يكون بسبب إعتياد المشاهد علي الإعلانات في التليفزيون، و التي كونت لدي المشاهد علي مدي سنوات شعوراً بعدم جدية ما يجري علي شاشة التليفزيون. المرء لا يقطع موضوعاً جاداً و هاماً ليتحدث عن السمن و مساحيق الغسيل، بينما ينظر القاريء للكتاب أو المقال علي أنه شيء جاد و بالتالي يستهجن أن يقطع أحدهم المناقشة الدائرة في الكتاب أو المقال ليتحدث عن السمن.

حين قامت الحرب الأمريكية علي العراق روج الجيش الامريكي في الإعلام فكرة إستخدامه لأسلوب سموه (الصدمة و الرعب Shock and Awe) و هو أسلوب قائم علي إستخدام أكبر كم من القوة لإضعاف القدرة النفسية للعدو و إنهاء الحرب بسرعة. المثير في الأمر تلقي مكتب العلامات التجارية في أمريكا 29 طلباً لإستخدام العبارة في منتجات تجارية، من العاب كمبيوتر، مضارب جولف، مبيدات حشرية،كرات بولينج،، شامبو بل و تم إستخدامه كإسم لأحد أنواع الهيروين.الأسلوب الذي تنقل به وسائل الإعلام أخبار الحرب تسبب في أن الناس لم يأخذوا الامر علي أنه تقنية عسكرية لها ميزاتها و عيوبها و قد ينتج عنها الكثير من الإصابات و القتلي من المدنيين، بل أخذوا الأمر علي أنه عبارة دعائية أو شيئاً طريفاً.

مصداقية التليفزيون

في فرنسا فكر عدد من التربوين في أن ثقافة العري التي تنقلها وسائل الإعلام المختلفة القائمة علي الصورة (التليفزيون و الإعلانات علي وجه الخصوص) هي ثقافة خاطئة مدمرة ففكروا في كيفية مواجهة هذه الثقافة. قام هؤلاء التربوين بإجراء تجربة بسيطة جمعوا فيها عدد من المراهقين في قاعة و قاموا بعرض عدد من الصور أمامهم علي شاشة عملاقة. كان العرض قائم علي عرض كل صورتين بجوار بعضهما البعض. الصورتين تضمان نساء عاريات، مع فارق أن صورة منهما مأخوذة من وسيلة إعلام عادية (تليفزيون أو إعلان) و الأخري مأخوذة من مجلة أو فيلم إباحي، و علي المراهقين أن يحددوا أي الصورتين هي الصورة المأخوذة من المجلة الإباحية. هنا تفاجأ المراهقون بأنهم لا يستطيعون التفرقة بين الصور. تدريجياً تحولت الإعلانات و الفيديوكليبات المعروضة في التليفزيون إلي ما يشبه الأفلام الإباحية دون أن يلاحظ المراهقون ذلك. قام التربوين بعد هذا العرض بالحديث مع المراهقين فوجدوا أنهم بدأو يتنبهوا إلي أن ما يعرض علي التليفزيون ليس هو الأسلوب الأمثل للحياة، و أن العري لا يجب أن يكون شيئاً معتاداً بمثل الشكل الذي ينقله التليفزيون.

هنا نري أن التليفزيون كانت له مصداقية هائلة لدي المراهقين، و هي ليست مصداقية بمعني أنهم يصدقون ما يبث عليه من أخبار، بل إن أسلوب الحياة الذي يرسمه التليفزيون يراه هؤلاء علي أنه أسلوب الحياة الطبيعي، و هو مستوي من المصداقية أسوأ بكثير من مجرد تصديق ما يبث عبر التليفزيون من أنباء. بالقياس علي هذا يمكننا أن نري أن التليفزيون حين يقدم فيلماً عن فتي وقع في حب فتاة من أول نظرة فإن هذا يغدو الأسلوب الطبيعي للحب في نظر الكثيرين و ربما يحزن المرء إن لما يقابل الحب في حياته بالشكل الذي يرسمه التليفزيون. و هكذا أيضاً يمكننا أن ننظر لما قام به هؤلاء التربويون علي أنه كسر لهذه المصداقية بأنهم أظهروا التشابه بين التليفزيون و بين الأفلام و المجلات الإباحية، و هي و إن كانت مباحة قانونياً فإنها تحظي بعدم إحترام وسط الكثيرين.

الأمر لم يتوقف هنا. فكر هؤلاء التربويون في أن التليفزيون لا يمكن منعه، لا يمكنك أن تكتفي بأن لا تضع في بيتك جهاز تليفزيون لأن التليفزيون يشكل ثقافة عامة. إن منعت التليفزيون من دخول بيتك فإن هذا لن يمنع إبنك من مشاهدة البرامج و الأفلام و الأغاني التي يبثها التليفزيون علي الكمبيوتر مثلاً، أو يتلقي المعلومات و الأفكار التي ينشرها التليفزيون من زملاؤه في المدرسة. هنا فكر هؤلاء في تكوين مناعة ضد ما ينقله التليفزيون من عري لدي الناس منذ الطفولة، فأخذوا مجموعة من الاطفال و علموهم أن عري النساء شيء سيء، و قاموا بإجراء عدد من الأنشطة معهم القائمة علي (إكساء) النساء العاريات عن طريق أخذ صور من وسائل الإعلام العادية، صور تضم نساء يظهرن أجزاء من أجسادهن،و يقوم الأطفال بتلوين الأجزاء العارية من أجساد النساء بألوان الفلوماستر.

في مصر و أثناء أحداث ثورة 25 يناير ركبت مترو الأنفاق ذات مرة فدار نقاش بين بعض الركاب حول الثورة و ما يفعله الشباب، فتحدث رجل في الأربعينات أو الخمسينات قائلاً إن هؤلاء الشباب مدسوسين من جهات أجنبية و لديهم أجندات و يتقاضون أموالاً بالعملات الأجنبية، إلي آخر هذا الهراء الذي كان يبثه التليفزيون المصري وقتها.حاول البعض مناقشته في أفكاره و دعاه أحد الشباب لأن ينزل ميدان التحرير ليري بنفسه الأمر علي الطبيعة فعلق قائلاً أنه لا يحتاج أن ينزل إلي الميدان لانه يعرف بالفعل ما يحدث هناك!  لكي  تقنع هذا الرجل بحقيقة ما يحدث في ميدان التحرير فإنك تحتاج في البداية إلي أن تكسر مصداقية قنوات التليفزيون الحكومي في ذهنه كما كسر التربويين مصداقية التليفزيون لدي مجموعة المراهقين الفرنسيين، و إن لم تكسر مصداقة التليفزيون في ذهنه فلا جدوي من مناقشته حتي و إن إستمرت المناقشة  إلي يوم الدين.

في إستطلاع أجرته شركة بن شون آند بيرلاندPenn,Schoen & Berland شمل 2000 شاب عربي بين سن 18-24 في الفترة من ديسمبر 2010 إلي يناير 2011، ظهر أن 11% من الشباب العربي يري الإنترنت كمصدر موثوق للأخبار، و يري 19% أن الجرائد هي المصدر الموثوق للأخبار بينما يري 60% أن التليفزيون هو المصدر الموثوق للأخبار.

بالتالي يمكننا أن نري هنا خطورة التليفزيون، إذ أنه وسيلة إعلام تقلل من قدرة المرء علي التفكير و التحليل و النقد المنطقي و في نفس الوقت تحظي بمصداقية عالية لدي معظم الناس، و هي مصداقية قد تتجاوز تصديق الأخبار إلي قبول أسلوب الحياة الذي يرسمه التليفزيون علي أنه أسلوب الحياة الطبيعي الذي ينبغي أن تكون عليه حياة الناس.

تأثير التليفزيون

فكر عزيزي القاريء في أينشتاين، آريل شارون أو باراك أوباما، و ستجد أن من الطبيعي أن أول ما يقفز إلي ذهنك غالباً هو صورة للشخص، و ليست أفكاره مثلاً. علي سبيل المثال، يعرف الكثيرين من العرب صورة آرييل شارون و بنيامين نتنياهو، و لكن القليلين يعرفون الحزب الذي ينتمي إليه كل منهما أو أفكارهما السياسية. هذا نتيجة لتأثير وسائل الإعلام القائمة علي الصورة أكثر من قيامها علي الأفكار و المعلومات.

من ضمن تأثير المعلومات المتناثرة و التركيز علي الصور أكثر من التركيز علي الأفكار أن التاريخ يغدو بلا قيمة (التاريخ هنا قد يكون حدث وقع منذ عام واحد، ليس من الضروري أن يكون حدث وقع في الماضي البعيد). لكي يكون التاريخ ذو أهمية فإن الأحداث يجب أن توضع مع بعضها البعض في إطار يكون فكرة عامة أو حقيقة أو معلومة متماسكة يستغلها المرء فيما بعد. حين تم إنتخاب جورج بوش الإبن لفترة رئاسية ثانية أبدي الكثير من المثقفين الأمريكيين ذهولهم. هذا رئيس مستوي ذكاؤه أقل من المتوسط، أساء لصورة، دفع بأمريكا إلي حرب في أفغانستان و حرب في العراق كلفتا أمريكا مليارات الدولارات و الكثير من القتلي و المصابين، أساء لصورة أمريكا دولياً بما شاب هذه الحروب من إنتهاكات، لم يقم بإصلاحات للنظام الإقتصادي الأمريكي، و لم يقم بالكثير من الإصلاحات التي كانت تحتاجها المناطق الفقيرة من البلاد، و علي الرغم من كل هذا يتم إعادة إنتخابه مرة أخري. الفكرة هنا هي أن التغطية الإعلامية للأحداث لا تنقل صورة مترابطة للمواطن الأمريكي. هي لا تذكر مثلاً أن أحد السدود في إحدي الولايات التي يسكنها الكثير من الفقراء و السود كان يحتاج إلي إصلاحات و كانت الحكومة تقول أنه لا توجد أموال لإنفاقها علي ترميم هذا السد، في نفس الوقت كانت تنفق يومياً في العراق مبلغ أكبر بكثير من المبلغ المطلوب لإصلاح السد. الربط بين هاتين الحقيقتين هو مثال لما يعنيه رسم صورة أكبر للأحداث التاريخية و ربط الأحداث و الحقائق ببعضها البعض و هذا ما لا يراه المواطن الأمريكي العادي و لا يراه سوي المثقفون، لهذا كان من الطبيعي أن يتم إنتخاب جورج بوش لفترة رئاسية ثانية.

تيرنس موران أستاذ الإعلام بجامعة نيويورك عبر عن هذا بقوله “إن وسائل الإعلام القائمة علي الصور الجذابة و المعلومات المتناثرة غير المترابطة تحرم المشاهد من أن يكون وجهة نظر قائمة علي التاريخ”.