عن ترامب و شركات التكنولوجيا و ما إلي ذلك

هناك كلمة ألمانية ساحقة الشهرة هي blitzkrieg و التي تعني الحرب الخاطفة، و هي أسلوب هتلر في الحرب. بدلاً من الأسلوب التقليدي القائم علي أن تهاجم لتفوز بنقطة أو مدينة، ثم تتقدم خطوط أمداداتك و سلاح المهندسين ليمهد الطرق إلي النقطة التي أخذتها و تنشيء التحصينات و نقاط الإرتكاز و مراكز تخزين الإمدادات ثم تتحرك إلي النقطة التي تليها و هكذا، فإن النازيين كانوا يتحركون بسرعة جنونية بأقصي ما لديهم من قدرة عسكرية و ينهوا المعركة في أيام قليلة. لن ننتظر أي أحد أو أي شيء، سنتحرك حركة لا يتوقعها أحدهم مثل تحرك روميل بالدبابات وسط الغابات ليدور من حول خط ماجينو، سنضرب بكل طاقتنا مرة واحدة دون أن نحافظ علي أي شيء لما بعد أو للجولة التالية لأنه لن توجد جولة تالية. بالطبع هذه الروح القتالية نجم عنها مخالفات أوامر كثيرة فيما يتعلق ب (سيطر علي هذه النقطة ثم إنتظر كذا)، الضباط كانوا يسيطروا علي النقطة ثم ينتقلوا لما يلوها و يتجاهلوا تعليمات الإنتظار لأن الطابع العام للأمور ليس فيه إنتظار لأي شيء من أي نوع. بالطبع هناك تضحيات جسيمة و مخاطرة كبيرة هنا لكن لا أحد يبالي.

هتلر لم يكن أول من أستخدم هذا الأسلوب. نابوليون كان يستخدم نفس الأسلوب. أحد الضباط الذين حاربوا أمام نابلوليون كتب يقول (لقد أرسلوا رجل مجنون، يحارب من المقدمة و الميمنة و الميسرة و الخلف في نفس الوقت). في الوقت الذي كان القادة فيه يراقبوا الحرب من علي تل عالي كان نابوليون يحارب بنفسه في الصفوف الأولي و كثيراً ما كان علي قيد شعرة من أن يفقد حياته. هو يريد أن يحفز جنوده و هو يلقي بكل ما عنده بما فيه نفسه في المعركة. هانيبال القرطاجي الذي جاء من تونس ليرعب روما إستخدم هذا الاسلوب – تذكر أنه بدلاً من أن يهاجم روما عبر البحر فإنه عبر مضيق جبل طارق إلي أسبانيا ثم عبر بجيشه (الذي كان يضم فيلة) جبال الألب ذات نفسها ولا أحد يعلم حتي اليوم كيف فعلها بالتحديد! بالطبع كانت هناك خسائر بشرية و مادية رهيبة في رحلة العبور هذا، لقد فقد القرطاجي نسبة ضخمة من جيشه و أفياله، لكن النتيجة أن الرومان فوجئوا بموقف غير مسبوق و بالقرطاجي المرعب علي أبوابهم في غمضة عين، و لتصبح حتي اليوم كلمة (هانيبال علي الأبواب) تقال في العالم الغربي حتي اليوم للتعبير عن التوتر و القلق. عقبة بن نافع فتح المغرب العربي من القيروان حتي ساحل المحيط في سنة واحدة فقط.

بالطبع في هذا الطابع من المعارك تكون المشكلة أن الحركة السريعة ينتج عنها أن تطول خطوط الإمدادات مما يجعل مهاجمة خط الإمدادات مشكلة ضخمة و يجعل الوقت هو العامل القاتل. نابوليون و هتلر هزما من روسيا، البلد البعيد – الذي يسبب طول خطوط الإمداد – و في الحالتين كانت معركة لصاحب النفس الطويل. نابوليون هزم الروس في البداية فحرقوا موسكو و تراجعوا. عندما دخل موسكو في عز البرد لم يستطع التمركز بها لأنه لم يعد بها أي شيء، و وصل به الإنهاك أنه كان فقط ينتظر إستسلام الروس فأرسل إليهم يطلب إستسلامهم بينما تتجمد أطرافه في الثلوج. ثلاثة أسابيع دون رد من الروس، لم يقولوا له نعم أو لا، فقط تركوه يتجمد فإستدار عائداً أدراجه. القائد الروماني الذي هزم هانيبال إسمه في كتب التاريخ (فابيوس المعطل)، لإن خطته كانت قائمة علي تجنب مهاجمة هانيبال لإنه لا قبل للرومان به و هو بالفعل قتل أربع أو خمس قادة رومان سابقين و أباد جيوشهم إبادة كاملة، معارك الرومان مع هانيبال لا يعود منها أحد، بل الخطة أن ندور من حوله نحرق الحقول التي يأكل منها رجاله و نهاجم القري التي يشتري منها إمدادت و يؤجر مرتزقة. الوقت هو ما سيقتل هانيبال و ليس جيش الرومان و قد كان، الرجل خطوط أمداداته طويلة للغاية – من تونس لإيطاليا مما يسمح بقطعها بسهولة- و مشكلته هي الوقت. بعد مقتل عقبة بن نافع علي يد القبائل التي إرتدت قام موسي بن نصير بإعادة فتح نفس المدن التي فتحها عقبة في سنة في سنوات طويلة، يفتح مدينة و يستقر بها و ينتظر أن ينتشر الإسلام بين أهلها و يجعل من أهلها الجيش الذي يفتح به المدينة التي تليها، بحيث يصبح خط إمداده الإيماني و الإنساني و العسكري قصير بدلاً من أخذ مسلمين من الجزيرة ليجتاحوا المغرب العربي في شهور قليلة دون أن يكون هذا فتح مستقر دينياً و إجتماعياً و سياسياً.

بالتالي ملخص الفكرة هنا هي الحركة السريعة التي تحتوي علي مخاطر جمة و تكاليف ضخمة لكن نتيجتها مذهلة إن نجحت، إكتساح أوروبا في حالة هتلر و نابليون و هانيبال و فتح جزء ضخم من المغرب العربي في سنة في حالة عقبة بن نافع.

في عالم البيزنس هناك مصطلح بدأ في الظهور هو ال Blitzscaling أو التضخم السريع. المصطلح خرج من كتاب بنفس الإسم من تأليف (رييد هوفمان) مؤسس لينكد إن و باي بال و أحد المستثمرين الأوائل في فيسبوك و dropbox. هي أسلوب لتنمية الشركات الناشئة، الشركات التي وصلت لمنتج أو فكرة ثبت نجاحها بما لا يدع مجالاً للشك بناء علي أداؤها في السوق و الآن نحن في مرحلة تنمية هذه الشركة لتصل لعشرات المليارات من الدولارات في سنوات بسيطة. كما تلاحظ هي تأخذ جزء من الكلمة الألمانية في إشارة للسرعة الخاطفة و المخاطرة الجمة في هذا الأسلوب. السبب هو أن هذا الأسلوب يتطلب نفقات مرعبة و مخاطر جمة، لكنه عادة يكون في نوعية الشركات التي يفوز فيها الرابح بكل شيء. فيسبوك نموذج لطيف للشركات التي طبقت هذا و نموذج لهذه النوعية من الشركات: من يفوز في مجال السوشيال ميديا لن يكون له منافس. جوجل حاولت و فشلت و السبب الرئيسي أن فيسبوك كان سابقاً، ليس لأن به مميزات خارقة. إن حاولت أن تستخدم منصة جوجل تظل عندك مشكلة أساسية: أصدقائي و أهلي و معارفي كلهم يستخدمون فيسبوك، بالتالي لا مجال لأي منصة بديلة ما لم ينتقل لها معارفي كلهم.

بالتالي هنا يصبح الوقت عامل رئيسي في الموضوع، و تصبح التضحية بكميات ضخمة من أموال المستثمرين الأوائل و أسلوب الإدارة الذي يهدر أموال لكن يحقق إنتشار سريع منطقي و مقبول تماماً. الشركة لم تقم علي تكنولوجيا خارقة ولا فكرة لا يستطيع أحد تنفيذها سواها، و العامل الأساسي في نموها و إزدهارها هو وصولها لقاعدة محترمة من المستخدمين قبل غيرها.

السؤال هنا لماذا تظهر الآن هذه الشركات التي يفوز فيها الفائز بكل شيء و التي تحقق أحجام خيالية؟ لماذا لم يظهر مثلها في الماضي؟ و ما هي تبعات ذلك؟

تأثير الشبكة و التحكم في الطلب

بسبب التكنولوجيا الحديثة و سهولة التواصل ظهرت فكرة الشبكات، أنت تتواصل مع أقاربك و أهلك عبر الفيسبوك و صار الموضوع شبكة من العلاقات. بعد نسبة معينة من المستخدمين يبدأ الناس في جذب بعضهم البعض بشكل أتوماتيكي، و يصير تغيير المنصة صعباً. إن أردت أن تغيير منصة تواصل يستلزم الأمر أن يغير كل معارفك المنصة أيضاً.

الشبكات أيضاً صارت شبكات بين العرض و الطلب. الناس تستخدم Airbnb لأن عليه تشكيلة كبيرة من الشقق التي يمكن تأجيرها. صاحب الشقة يؤجرها علي الموقع لأن عليه عدد كبير من المؤجرين. إن قام أحدهم بتقليد Airbnb بحذافيره سيبذل جهد خارق ليقنع المؤجرين و المستأجرين في نفس الوقت بإستخدام منصته. الأول يفوز بكل شيء و الآخرين خاسرون ولا يوجد أرض وسط كما تري.

لو أضفت لهذا أن الإنترنت تسمح بسهولة بالوصول لأقصي العالم ستدرك حجم الشبكات التي نتكلم عنها و التي يتحكم فيها أول من نجح. الإستعمار القديم الذي كان يقضي سنين و حروب ليفتح بلداً واحداً ولي و صار الأمر أكثر سهولة و أوسع تأثيراً بكثير.

من ضمن الأشياء التي جاء بها الإستعمار فكرة (التحكم في الطلب). الإنتاج رهيب بسبب الثورة الصناعية بالتالي صارت المشكلة من أين نأتي بطلب لبيع هذه الأشياء. تذكر أن حرب الأفيون قامت لأن الصين حرمت إستخدام الأفيون و إنجلترا كانت تريد سوقاً للأفيون الذي تبيعه. أحد الأشياء التي تميز كثير من منصات التكنولوجيا الشهيرة أنها تتحكم في الطلب. بعد أن يصير لديك عدد كبير من المستخدمين يمكنك بسهولة أن تبيع الإعلانات و يكون لديك قدرة شديدة علي فرض أسعارك و شروطك علي المعلنين. الأمر يصير أكثر وضوحاً في المنصات التي تكون وسيطاً بين العرض و الطلب مثل Airbnb، حيث تستطيع أن تملي شروطها علي أصحاب الشقق و المؤجرين بقدرة شديدة لأنه لا يوجد لها بديل حقيقي و غالباً لن يكون هناك بديل بسهولة.

أوبر مثال آخر. لا يمكنك منافسة أوبر بسهولة في أي مدينة إنتشرت فيها لأن الراكب لن يتجه لمنصة جديدة ليس عليها نفس كمية السائقين، و السائق لن ينتقل لمنصة جديدة ليس عليها نفس كمية الركاب. لتنافس أوبر في مدينة تزدهر فيها عليك أن تجتذب أصحاب السيارات و الركاب معاً، و هذا عادة ما يكون بإلقاء أطنان من الدولارات في هيئة تخفيضات للركاب و أجر كبير للسائقين. بالتالي يتجه منافسوا أوبر عادة للمدن التي لم تدخلها أوبر بعد، مثل تركيز Bolt علي أمريكا الجنوبية.

ثم جاء ترامب

أعتقد أنك الآن تفهم فكرة ال Blitzscaling و تتفهم مبرر الإنفاق المرعب و المخاطرة الضخمة في سبيل أن تفوز بالمركز الأول. الأمر يشبه المقامرة التي تكون جائزتها الأولي مئات المليارات و جائزتها الثانية صفر. في فيلم Glengarry Glen Ross يقول المدير المرعب الذي يقوم بدوره آليك بلودوين لموظفين المبيعات: “هذا الشهر سنضيف شيئاً جديداً لمسابقة المبيعات الشهرية. كما تعلمون الجائزة الأولي هي سيارة كاديلاك إلدورادو. هل تريدون أن تعرفوا الجائزة الثانية؟ الجائزة الثانية هي طاقم سكاكين. الجائزة الثالثة هي (أنت مرفود)”. هذه من أكثر العبارات المعبرة عن هذه النوعية من شركات التكنولوجيا و التنافس المرعب علي النمو و الوصول أولاً لأكبر كم ممكن من المستخدمين.

لكن النتيجة الآن أن لدينا شركات قدراتها مرعبة و أعتقد أن أكثر المواقف تعبيراً عن حجم و قدرات هذه الشركات ظهر في أحداث إقتحام الكابيتول الأخيرة. عندما عجزت المنظومة السياسية و القانونية الأمريكية عن إيقاف ترامب تدخلت هذه الشركات. في يوم واحد أغلقت كل وسائل تواصل ترامب مع جمهوره و كل وسائل تواصل هذا الجمهور مع بعضهم البعض. تويتر، فيسبوك، أمازون، إنستاجرام. كل الشركات الأمريكية شنت الحرب علي الرئيس و مؤيديه. هذا أسلوب أمريكي للغاية في حل المشاكل: لندع الشركات تحلها.

الأمر لم يتوقف عند إيقاف حسابات ترامب و محبيه. تحسباً لتجمهر أنصار ترامب و أي شغب قد يقوموا به يوم تنصيب الرئيس الجديد قامت فيسبوك بمنع تنظيم أي حدث في محيط البيت الأبيض و قامت Airbnb بإيقاف تأجير الشقق في المنطقة. إن كان الأمن عاجز عن منع هذه المظاهرات ستمنعها الشركات و لنري كيف يمكن لأنصار ترامب أن ينظموا أنفسهم أو يرتبوا سفرهم للبيت الأبيض بدون تكنولوجيا.

بالطبع ترامب و محبيه إعترضوا لكن ما يثير الإهتمام هو إعتراض الهند و ألمانيا و فرنسا علي هذا! ما دخل الألمان بالسياسة الأمريكية؟ هل صار هذا المستوي من الرقابة أكثر مما تتحمله الحريات الأوروبية؟

عمومأً أوروبا أكثر تقييداً للحريات من أمريكا. أوروبا لديها قوانين تمنع التشكيك في الهولكوست، تمنع تأدية التحية النازية حتي علي سبيل المزاح، الخ. المشكلة في أن الأوروبيين يطالبون بأن تكون الدولة هي من يصدر القرار بمنع فلان من الكلام، وليس الشركات. في أمريكا الدستور ينص علي عكس هذا بالضبط: التعديل الأول للدستور هو مادة تمنع الكونجرس من إصدار قانون يجبر الناس علي إحترام مؤسسة أو شخص أو ديانة بعينها !

المشكلة هنا أن هذه الشركات متعددة الجنسيات تتحرك بقيم أمريكية لكن تأثيرها و مجال عملها هو العالم كله. بالتالي عندما حدث هذا شعر الهنود و الأوروبيون بالخطر من هذا الأسلوب.

عموماً أمريكا تعطي الشركات وزناً ضخماً في المجتمع. لا يوجد شيء إسمه إستثناء الشركات أو عدم الثقة في الشركات بنفس العقلية الأوروبية. علي سبيل المثال الخطة الأولي لتوزيع تطيعمات الكورونا في أمريكا كانت أن تحتفظ الدولة بنصف التطعيمات التي تستلمها في المخازن لتضمن إعطاء الجرعة الثانية للناس في الميعاد المحدد بعد الجرعة الأولي. بسرعة تم تعديل الخطة لأن يتم صرف أي تطعيم تقع عليه يد الدولة لأن الشركات قدمت وعوداً بتوفير الجرعة الثانية في الموعد المحدد. هذه مخاطرة ضخمة علي نطاق ملايين البشر و مليارات الدولارات تعلق علي الثقة في الشركات الموردة للتطعيمات و خطوط إنتاجها و توزيعها، لكن هذه أمريكا حيث الشركات مكون أساسي من المجتمع و الحياة و حيث تحوز الشركات درجة حرية و ثقة عالية.

ما يحدث الآن أن هذه الثقة و هذه الحرية و هذه السلطة للشركات يتم سحبها للعالم بدون إنتظار موافقة من أحد.

رد واحد على “عن ترامب و شركات التكنولوجيا و ما إلي ذلك”

  1. يقول M A:

    مقال جميل جداً أشكرك عليه, ذكرني الأمر بمشاهدة تعليقات وردة فعل مستخدمي السوشيال ميديا وعلى رأسهم إيلون ماسك بخصوص تطبيق الواتس آب ومحاولة الترويج لتطبيق سيجنال كبديل في نفس الوقت, أراها الآن بعد مقالتك بشكل أكثر وضوحاً كحالة كلاسيكية أخري من الBlitzscaling.

    أتمني أن لا تتأخر علينا بالمقال القادم, كل التوفيق لك.
    From a long-time fan of ur writings

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.