خواطر حول مناظرة جيجك و بيترسون

منذ شهور كثر الكلام عن المناظرة المرتقبة بين جوردان بيترسون و سلافوي جيجك عن مفهوم السعادة ما بين الرأسمالية و الماركسية، و هي المناظرة التي تمت في جامعة تورنتو يوم 19 أبريل و التي اجتمع الكل علي تسميتها مناظرة القرن. الكل يرتقب الحدث الضخم قبلها بشهور كمن ينتظر لقاء بين فريقي كرة قدم من العيار الثقيل مع الكثير من الشد و الجذب بين أنصار هذا و ذاك تماماً كما لو كنا نتكلم عن مشجعي برشلونة و ريال مدريد قبل لقاء الطرفين في نهائي دوري أبطال أوروبا. المقالات تتكاثر هنا و هناك عن ما يمكن أن نتوقعه من هذا اللقاء و من سيسحق من. ثمن التذكرة لحضور اللقاء وصل 1500 دولار أمريكي. حتي لقاء برشلونة و ريال مدريد لا تصل تذاكره لهذا الثمن علي قدر علمي.

لمن لا يعرف فجوردان بيترسون طبيب نفسي و أستاذ علم نفس، و هو من المدرسة الليبرالية الرأسمالية و له مرجعية مسيحية واضحة. جيجك أستاذ فلسفة ماركسي ملحد – هو أكثر درجات الإلحاد التي قابلتها سوداويةو عدمية و عمقاً في نفس الوقت – و يمزج الماركسية بالتحليل النفسي في أفكاره.

القاء المرتقب تم و هذه هي مجرد خواطر عن بعض ما جاء في اللقاء. هذا ليس ملخص وافي و أنا لست أفضل من يشرح أفكار الطرفين لأن معرفتي بالفلسفة و علم النفس عموماً معرفة سطحية و كثير من أفكار جيجك علي وجه الخصوص لا أُلم بها بشكل كامل. يقول أحمد خالد توفيق علي لسان رفعت إسماعيل بعد أن حكي حكاية ما أنه سيقدم تعليقاً يتظاهر بالحكمة يفسد علي القاريء أي لذة وجدها في القصة. بالمثل فأنا سأقدم تعليقاً علي بعض ما جاء في المناظرة ليس له أي داعي من الأساس سوي أن لدي بعض الأفكار التي أرغب في طرحها في مكان ما ولا أعرف مكاناً أفضل من هذه المدونة.

أكمل قراءة…

عن الأطفال

التفكير في لماذا خلقنا الله علي هذه الصورة أو تلك تفكير مألوف، مثل لماذا خلق الله الناس يمشون ولا يطيرون، لماذا خلق فيهم القدرة علي التدمير من الأساس، لماذا خلقهم بإحتياجات نفسية مثل الإحتياج للقبول و الإحتياج لتحقيق إنجازات و الرغبة التنافسية، الخ.

التفكير في هذه الأمور لا يؤدي لإجابة محددة شافية، لكن في نفس الوقت التفكير في هذه الأسئلة مهم لنا كبشر، بشكل ما هي تحدد جزء من بشريتنا و نضجنا النفسي. من لا يفكر في هذه الأشياء من فترة لأخري هو شخص منتقص الإنسانية بشكل ما.

كثير من الناس تساؤلوا عن لماذا خلق الإنسان بفترة الطفولة الطويلة هذه. مقارنة بالحيوانات الأخري فالإنسان يظل بحاجة للكبار لمرحلة عمرية كبيرة للغاية قبل أن يكون قادراً علي الإستقلال و خوض الحياة لوحده، و إحتياجه للكبار هو إحتياج نفسي و تربوي، و إحتياج لتعلم مهارات حياتية معقدة، و ليس فقط لعجزه الجسدي عن إطعام نفسه طوال هذه الفترة الطويلة. الكثير فكروا في هذا السؤال و حاولوا الإجابة عليه من زاوية الفائدة التي تعود علي الطفل، قليل هم من فكروا من منطلق الفائدة التي تعود علي الأبوين.

كما قلت، التفكير في هذه الأمور عموماً لا يؤدي لإجابة محددة مفيدة و أنا لست إستثناءاً لهذا فما سأكتبه هنا هو مجرد تفريغ لخواطر تدور في ذهني أكثر منها كتابة لرأي محدد قاطع أو حتي لفكرة أرغب في مناقشتها، أو حتي لأفكار مترابطة، هي مجرد أفكار متناثرة. قليلون من يدركوا أن الكتابة مهمة للكاتب لأسباب أكثر بكثير من أخذ شهرة أو الرغبة في مناقشة أفكاره مع آخرين أو الترويج لها و نشرها. الكتابة تساعدك علي تفريغ أفكارك الملحة و الأهم تنظيم هذه الأفكار. نيوتن كان يلقي محاضرات رياضيات في جامعة كامبريدج و كان يلقيها حتي إن دخل غرفة الدرس و لم يجد أي طلاب. إلقاء المحاضرة حتي للفراغ مهم لتنظيم الأفكار بغض النظر عن إستفادة الطلبة. بالتالي ما أكتبه هنا هو محاضرتي الخاصة التي لا تهدف لإفادة الطلبة في المقام الأول. أكمل قراءة…

هانيبال

عرفت هانيبال القائد القرطاجي من كتاب صغير لأحمد خالد توفيق. و بعد أن قرأت كتاباً كبيراً لواحد من أشهر المؤرخين الحاليين في الموضوع، مؤرخ من الذين يستدلون بعدة مصادر قديمة و يجيد المقارنة بين المصادر و الرواة و يذهب بنفسه لمواقع الأحداث التي تمت من أكثر من الفي سنة، فإن النقاط الأساسية للموضوع هي التي أحسن أحمد خالد توفيق إختيارها في كتابه الصغير. هذه مجرد خواطر و أفكار عن الموضوع و أنا مدين كالعادة لأحمد خالد توفيق بمعرفته كما أنا مدين له بأشياء أخري كثيرة.

هانيبال قائد عسكري من قرطاجة (في تونس اليوم). أبوه كان قائد عسكري أيضاً، قاتل الرومان في ما يعرف بالحرب البيونية الأولي. بيونية هي كلمة تعني النسبة لقرطاجة. في البداية هزم القرطاجيون الرومان، ثم إستغل السياسيون الأمر فإسترخوا، قللوا التجهيزات و الإستعدادات العسكرية. أبو هانيبال يصرخ أن الرومان قادمون لكن السياسين المعاتيه لا يسمعون له. في النهاية كانت الهزيمة. مشكلة الهزيمة أنها لم تتوقف عند معاهدة إستسلام. كل بضعة أعوام يرسل الرومان وفداً يطلب المزيد من المال و المزيد من التنازلات عن مزيد من الأرض و إلا فالوعيد بالويل و الثبور. من هنا كره الرجل روما بعمق، بالنسبة له كان الرومان رمز لكل شيء سيء، الخيانة و الغدر و إستغلال القوة و عدم الوفاء بالعهود. ترك الرجل قرطاجة ذاهباً إلي مستعمرات قرطاجة في أسبانيا، بعيداً عن نفوذ السياسيين المعاتيه، و بدأ في تكوين نواة مادية و عسكرية لجيش ينتقم من الرومان. هنا يبدأ دور إبنه، هانيبال. الرجل ربي إبنه علي كره الرومان كراهية شبه دينية. في إحتفال ديني مهيب في معبد ضخم و تواجد للكهنة و تضحيات بحيوانات يقسم الطفل الصغير علي كره روما و الإنتقام منها، و هو الهدف الذي يعيش به و من أجله باقي عمره، و هو ما شكل الحرب البيونية الثانية. أكمل قراءة…

مجرد مقال آخر عن التطور و الدين و العلم

مازلت أتذكر الصدمة التي تعرضت لها حين درست قانون نيوتن للجاذبية. قبلها بسنين كنت أسمع عن أن (نيوتن إكتشف الجاذبية) و كنت أعلم أني سأدرس هذا القانون في الصف الدراسي الفلاني -الأول الثانوي لكني لست متأكداً – و كنت في إنتظار هذه اللحظة منذ سنين. السبب في الصدمة هو أني كنت أتوقع أن أجد قانوناً يفسر الجاذبية، لماذا تنجذب الأجسام لبعضها البعض و لماذا يسقط الناس علي الأرض بعد أن يقفزوا في الهواء، لكني فوجئت بمجرد معادلة تحسب فقط مقدار قوة الجاذبية. بشكل ما ظللت أتوقع أنه سيأتي اليوم الذي أدرس فيه تفسيراً لهذا الشيء، ليس من المنطقي أن تكون ظاهرة بهذا القدر من الوضوح و التأثير و لا يتكلم أحدهم عن تفسيرها، لكن مع الوقت و السن و الإنترنت إكتشفت أن هذه الظاهرة ليس لها تفسير حتي اليوم. كان هذا مذهلاً و الأكثر إثارة للذهول أن أحداً لا يتعرض لهذه الحقيقة بما يكفي و يكتفون بالتهليل لمجرد معادلة تحسب مقدار هذه الجاذبية. أكمل قراءة…

الأدب و رسالته: الفضيلة و نشر الرذائل و هذه الأشياء اللطيفة المماثلة

Stephen King't The Stand cover art

هذا المقال لا يقدم أي إجابات، فقط يثير التساؤلات بشيء من التحليل و العمق، إن كنت تنتظر إجابة في النهاية من نوعية (يجب فعل كذا ولا يجب فعل كذا) فيمكنك أن تتوقف عن القراءة هنا.

هذا المقال بمناسبة الجدل الذي دار حول مسلسل سابع جار، و عن قضية الفن الذي يظهر أنه من المألوف في الطبقة الوسطي القيام بالموبقات بدون مشاكل أو نقد أخلاقي، و هو رأي الناس التقليدية المحافظة أو ذوي التوجه الديني.

في المقابل فإن الرأي العام عند المثقفين و متذوقي الآداب و الفنون أن الفن و الأدب لا يحمل رسالة أخلاقية، لا يجب أن يمدح الصواب و ينتقد الخطأ ولا أن يحمل أي رسالة من أي نوع. أكمل قراءة…

الفردية و الإنجاب و أشياء من هذا القبيل

لا يمكن النظر للعالم الغربي بمعزل عن أن الفرد و متعته المباشرة هي أساس من أسس الفكر و الحياة. الموضوع كبير و شائك لكني سأتكلم عن نقطة واحدة فقط في ما يتعلق بالفردية و هي الإنجاب.

كنا نتكلم أنا و زميلة هولندية فذكرت وسط الكلام أن زوجتي لا تعمل لتراعي إبننا. علقت بقولها أنها مازالت تذكر طفولتها و شعورها بالراحة حينما كانت تعود للبيت من المدرسة لتجد أمها في البيت. هذه الزميلة إتخذت قراراً بعدم الإنجاب! أكمل قراءة…

فلنتحدث عن النظام الطبي الكندي

منذ فترة فوجئت زوجتي بورم كبير في صدرها، ظهر فجأة بدون مقدمات. ذهبنا لطبيب ممارس عام، و هو في العالم الغربي شخص أكثر علماً بكثير من نظيره المصري و يمكنه تشخيص و علاج الكثير من الحالات و لا يحيل الأمور لأخصائي إلا فعلاً في حالات معقدة. الطبيب رأي أن هذا غالباً شيء حميد لكن بالطبع لابد من أشعة. أخبرنا أنه سيحول ورقنا لمركز أشعة و هم سيتصلوا بنا في خلال أسبوع. سألته في ضيق عن ما إن كان علينا الإنتظار لأسبوع كامل لنجري الأشعة فرد بأنهم لن يجروا الأشعة في خلال أسبوع بل سيتصلوا بنا ليحددوا موعد في خلال أسبوع ! أكمل قراءة…